سفينة الخيال
وفي الليلة الثالثة لنا على شاطئ الخيال، جئتُ أنا.. أميرة الليل ولم أجد أحداً من رفاقي، وكنتُ وحدي.. أنا والليل وشاطئ الخيال وصوت الأمواج في كل مكان وكأن بحر الخيال يرحب بي، وسعيدٌ لأننا وحدنا وأبوح بما في صدري، ولكنني وقفتُ صامتةً متأملةً في السماء...
بدأ صوت أقدام تقترب مني، ها هو رفيقي:
— أهلاً أهلاً بالمحارب الخفي، لماذا تأخرت الليلة؟
فأجابت التي معه:
— أنا السبب في تأخيره، أين البقية؟
قلتُ: لم يأتِ أحد الليلة سواكم. ثم ظهر صاحب الشعر الأسود والعيون الحزينة يبتسم قائلاً: "أنرتُ لكم الليل كله"، وضحكنا وقلنا نعم، وقلتُ: اجلس بجواري هنا. فجلس وقال: "فلنبدأ الرحلة". فقلتُ: نبدأ أم ننتظر باقي الرفاق؟ قالت الفتاة بصوت ناعم خافت: "يا ليتنا نبدأ".
قلتُ لها: نبدأ بكِ، أغمضي عينيكِ. ففعلت وانتظرت لحظات ثم قالت:
— أنا.. أنا.. انظر لي، ألا تراني؟ أنا عقد الياسمين الأبيض، ألا تشم رائحتي؟ أنا من أحببتُ فيك الغموض وعشقتُ فيك نفسي ورأيتك فارس أحلامي. لِمَ لا تأتي كل ليلة وتكون بطل حياتي وأنجب منك أولادي صفية وفادي؟
وسكتت، وفرّت من عيونها دمعة وحيدة وفتحت عينيها، فأسميتها "صاحبة الدمعة". وقلتُ: معنا صاحبة الدمعة وصاحب العيون الحزينة، يبدو أنها ليلة كئيبة..
وأنت يا أيها المحارب، ألا تغمض عينيك الليلة في سفينتي؟
فقال: أغمضتها. وقال: يا لكِ من صديقة العمر، أحببتُ صوتكِ وشعركِ الأسود، فجمال الخيل في الليل سحرٌ فوق كل سحر، وعيونكِ كعيون السماء أرى فيها أحلامي، فأنا أعيش بكِ ومعكِ عمري وأيامي..
ثم فتح عينيه، فقلتُ: يا له من جواد يجعل صاحبه يقول الأشعار!
وأنت يا صاحب العيون الحزينة اركب السفينة.
فأغمض عينيه وقال: أنتِ سبب حزني..
فارتبكتُ كأنه يوجه كلامه لي.. ثم قال: نعم أنتِ.
فبدأتُ أرتعش.. فقال: يا صاحبة العيون الفاتنة والنظرات القاتلة، رأيتُ بعيوني رجلكِ المفضل الملقب بـ "صاحب الطعنة الغائرة"، لا أعلم أكرهه أم أَحني له إجلالاً، لقد كان بطل الحرب والفارس المنتصر، أما أنتِ.. الخائنة زوجة البطل..
وفتح عينيه، وبدأ قلبي يطمئن وأقول في نفسي: أعرف أنني لم أفعل شيئاً، لِمَ كل هذا الارتباك؟
وقالت الفتاة لي: وأنتِ يا صاحبة السفينة حان دوركِ.
فقلتُ: نعم، لا يبقى غيري. وأغمضتُ عيني وتنفستُ نفساً عميقاً، وجدتُ نفسي في بلد محبوبي، أمشي وحدي وأدقق النظر في كل جزء وكأني أتساءل: هل كان هنا قريباً؟ هل مرّ بهذا المكان؟ هل يعرفه؟ أتخيله واقفاً هناك وابتسمتُ وأكملتُ المسير.
رأيتُ نهراً، يا ترى جلس هنا يوماً؟ هل كان يحب البحر فقط؟ فمياه البحر مالحة ومياه النهر عذبة.. يا ترى يحبني أم يحبها وماذا يشعر معها؟ هل يراها بحراً أم يراها نهراً؟ وأنا كنت ماذا؟ نهراً أم بحراً؟
وتنفستُ ثانية ووضعتُ يدي على عيني وتحسستُ وجهي ثم فتحتُ عيني، فقالوا: اشربي شربة ماء، فشربتُ ولاح الصباح، وهمّت الشمس بالإشراق، وابتسمنا وقلنا جميعاً: إلى اللقاء.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire