„جدلية المنطق والسفاهة“
قصيدة فلسفية
طاهر عرابي – كُتبت في دريسدن | 25.03.2026
⸻
1
لو لم تكن السفاهةُ ذهبًا خفيًّا،
لما ازدحمت بها أيادي المارقين.
ولو لم يكن المنطقُ ماءً سريًّا،
لما بقيت شجرةٌ تنتظر المطر،
ولا عاشت الأشواك،
وهي تحاكي انتصارها
بثمرٍ لا يبلغه إلا من يستحق.
ما زلنا نرى… ونتغافل،
وهم يسرقون من المرايا شكل المارق،
ويصنعون منه بهجتهم السوداء،
ويجعلون من صعود السفهاء
احتفالًا برداءٍ لا يحجب عنهم النوايا.
فيتساقطون رذاذًا متحجّرًا أمام اليقين.
لا يفرح السفهاء بقوة السيل…
يفرحون في السباحة فوق الغثاء.
سنراهن، تحت الزبد، أبرياء
من السيل… ومنّا.
2
حين يضيء العقل،
لا يختفي الظل خلف الظلام؛
بل ينكشف،
ويموت في بحر المعرفة،
ويقف صارخًا أمام نفسه:
حين يشتدّ الضوء… يبدأ العدم.
لا نصير للعدم في هذا الفناء المؤكّد،
والعقل يزداد كشفًا،
وتنتهي الرواية…
بمصباحٍ يقرأ.
قال العقل:
وطني بساطُ الشمس،
يحمل الذهب… ويرسله شعاعًا.
ومن عرف البحر،
لا يفتنه الموج،
بل يبحث تحت الأمواج عن صفائه،
ويرى في زحف الأصداف
مشقةً لا تهادن الرمل والحصى.
فالخوف ظلٌّ أسود،
لم يكن إلا صورةً
صاغها السفهاء،
ليرفعوا الذلّ
إلى مكانةٍ عمياء.
3
وفي لحظة صفاء الضمير،
تنبش الهوية كهوف الحيرة،
ويرتقي العقلُ إلى سطحِ المنطقِ
ماسكًا لوحًا ليكتب:
مات العدم…
ونسي القلم.
كيف يكون الحكم على الرماد؟
وترى العدم، وقد فقد أنيابه،
يتلطّف مع الرماد
فوق رؤوس السفهاء.
يا بهجةً صنعت للعقل جسدًا ليبقى،
كشعلةٍ تتبع الضوء،
ذلك الضوء الذي يفضح
ما يحاول السفهاء إخفاءه.
حتى لو أغمضوا أعينهم،
وتلمّسوا الجدران.
لا مجال للعتب بين العقل والظلّ؛
فالحقائق تنكشف ولو بصمتٍ…
يسمع الفراشات تخرج من شرنقتها،
وتهتف بهدوء، تُزكّي الطريق بصمت.
السفهاء لا يكرهون الفكر،
إنهم يعيدون قصّه على مقاس رغباتهم؛
يتركون منه ما يلمع،
ويخفون ما يجرح…
ويتأوّهون معك،
دون أن تمسّهم كلمة الصدق،
ويفضح الكذب فظاعته في صمتهم.
السفهاء يحبون النظر من خلف النوافذ،
يرون نزيفك ولا ينزفون.
إذا انقلب الشباك وصار بابًا،
تراهم يخرجون مودعين الستائر،
ويبحثون عن عتبة فوقها مصير بلا خيار.
لا يقتلون العقل دفعةً واحدة،
بل يفتحون فيه ثقوبًا صغيرة،
حتى يتسلّل مثل خيط العنكبوت…
ويستيقظ صاحبه خفيفًا،
يشكّ في اليقين… تحت الوسادة.
في ساحة الساعات، حين يمرّ الزمن،
لتتفقد القيم الضائعة،
يعلو ضجيج السفهاء بلا معنى…
ويُكافأ الفراغ برائحة قهوة،
كأنها يقينٌ في لحظةٍ مجهولة.
هكذا تدور الدائرة:
العقل يبني جدارًا…
والسفاهة تبيع ثقوبه.
السفاهة لا تنتصر…
تبقى فقط،
في معركة قذائفها عتمة خافتة،
تزاحم الضوء بحذر،
تراقب… حتى ينكسر شيء،
أو تتلاشى الإرادة في غفلة من النفس.
4
أما الحكمة… فتعيش بين جبلين،
وتحتمل البراكين، وتعري الصخر مثل المطر،
فتحاور وتجاور،
كأنها تثبت حقها في الوجود.
يا له من وجود!
فهل يمكن للوعي أن يشيّد أرضًا صلبة،
لا تتقن السفاهة تحويلها إلى سوق تُباع فيه العقول المنطفئة،
كأنها مصابيح شقاء مستنزف؟
الأرض الصلبة… عقل يدرك ظلال المنعطفات،
ويزرع في القمة وردة تضيء الطريق.
يا لسفهاء باتوا على الشفقة!
ينتظرون موتًا لا يشمل نواياهم،
كيف يترنح النهر بين ضفتيه؟
وصرير الحصى… لا يهدأ.
نراهم، ولا نتبعهم… لكل منا طريقه.
فلليقين طريق بلا حواف،
ولا يتقاطع مع أرصفة المارقين،
والرؤية أعمق مما تدركه الطريق قبل الانعطاف.
دريسدن – طاهر عرابي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire