[الأثر العقدي: وحدانية الذات]
مِن أينَ يبتدئُ الحرفُ وهو يؤمُّ مِحرابَ مَن أوجدَ الكلمةَ من العدم؟ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليس مجرّدَ يقينٍ نُطاردُه بالعقول، بل هو الحقُّ المبين الذي تسكنُ به كلُّ حقيقة، والحيُّ القيّوم الذي يقومُ به كلُّ موجود. هو الوجودُ الحقُّ الذي يتوارى خلفَ حُجُبِ الكثرةِ ليظهرَ في وحدانيةِ اليقين؛ لا إلهَ إلا هو، شهادةٌ تهتزُّ لها أركانُ الوجود.
هو الأوّلُ الذي لم يسبقْه زمانٌ ولا عدم، والآخِرُ الذي لا يلحقُه فناءٌ ولا انقضاء، والظاهرُ الذي تشهدُ آياتُه في كلِّ ذرّة، والباطنُ الذي تعجزُ العقولُ عن إدراكِ كُنْهِه.
[التجلي الفلسفي: واجب الوجود]
فلسفيًّا وعقديًّا، هو الضرورةُ المطلقة وواجبُ الوجود الذي لا يفتقرُ لغيرِه، والعلّةُ الأولى التي تُعرَفُ بآثارِها وتستعصي ماهيّتُها على العقول. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ — إثباتٌ للصفاتِ مع تنزيهٍ عن المشابهة. إنَّ إدراكَ العجزِ عن إدراكِ كُنْهِه هو قمّةُ الإدراك؛ لأنَّ العقلَ المحدودَ لا يُحيطُ بالمُحيط، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، بل يذوبُ في أنوارِ جلالِه كما يذوبُ الظلُّ في الضحى. الإيمانُ به ليس معرفةً نظريّةً، بل هو انعتاقٌ من سجنِ "الأنا" الضيّق إلى فضاءِ العبوديّةِ الحقّة.
[الفيض الروحاني: القرب والوجد]
روحانيًّا ووجدانيًّا، هو الودودُ الذي يُحبُّ ويُحَبّ، والقريبُ المجيب الذي لا يحتاجُ العبدُ معه لواسطة. هو السرُّ الكامنُ في نبضِ الوجدان، والأنيسُ الذي ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾. هو الذي يملأُ المسافةَ بين النبضةِ والعدم، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾؛ فيكونُ أقربَ إلى العبدِ من نفسِه، وأجلى للبصيرةِ من كلِّ ظاهر. عقيدتُنا فيه منتهى العقلِ ومنتهى العشقِ معًا؛ حيثُ تصيرُ الروحُ مرآةً صقيلةً بالتقوى، فلا ترى في الوجودِ إلا تجلّياتِ أسمائِه وصفاتِه.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ — هذا هو المِحراب، وهذا هو المُنتهى.
بقلم:
فادي عايد حروب 🌿
فلسطين - جميع الحقوق محفوظة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire