في رمضان… نسافر بروحنا قبل أجسادنا.
ليس السفر دائمًا أن نغيّر المكان، بل أحيانًا أن نغيّر زاوية النظر. في هذا الشهر المبارك، تصبح الروح أكثر صفاءً، وأكثر قدرة على ملامسة المعاني التي تتجاوز الحدود والجغرافيا. رمضان ليس مجرد عبادة فردية، بل تجربة إنسانية جماعية يعيشها العالم في توقيتٍ واحد، وإن اختلفت التفاصيل.
حين يهلّ الهلال، تتوحّد القلوب على الصيام، لكن لكل دولة طريقتها في الفرح، ولكل شعب لمساته الخاصة في استقبال الضيف الكريم. تختلف الأطباق، وتتبدّل اللهجات، وتتنوع العادات، لكن لحظة الأذان تبقى واحدة في معناها: دعاء صادق، وطمأنينة تنزل على القلوب.
في هذه السلسلة، نزور كل يوم دولة جديدة في رمضان… نعيش أجواءها، نقترب من موائدها، ونستمع إلى صوت أذانها وهو يعلن لحظة الإفطار. نبحث عن الروح المشتركة التي تجمعنا، ونكتشف الجمال الذي تصنعه الخصوصية.
ومحطتنا اليوم… المغرب 🇲🇦
المغرب في رمضان
… حين تتعانق الأصالة والبهجة
في المغرب، لا يُستقبل رمضان كضيف عابر، بل كموعد تنتظره القلوب بشوق خاص. هنا، يمتزج العبق الأندلسي بنفحات الصحراء، وتتلون الأيام بذاكرة مدن عريقة مثل فاس ومراكش والرباط.
مع اقتراب الغروب، تخفّ حركة الشوارع شيئًا فشيئًا، وتغدو البيوت عوالم دافئة تستعد للحظة الإفطار. في المطابخ المغربية، تبدأ حكاية أخرى؛ رائحة الشباكية تتعانق مع العسل والسمسم، وصوت الملاعق يختلط بترتيب المائدة التي لا تكاد تخلو من “الحريرة” — سيدة الموائد الرمضانية بلا منازع — إلى جانب البغرير، والتمور، والبيض المسلوق، والعصائر الطازجة.
وقبل الأذان بلحظات، يسود سكون مهيب… سكون يحمل رهبة الانتظار. ثم يرتفع النداء من المآذن، ويُسمع صوت المدفع في بعض المدن إيذانًا بالإفطار، فتتحول اللحظة إلى امتنان جماعي: دعاء هامس، وابتسامة رضا، وجرعة ماء تعيد للحياة إيقاعها.
بعد الإفطار، تنبض المدن بروح مختلفة. في الدروب العتيقة، تزداد الحركة، وتتجه القلوب إلى المساجد، خاصة في ليالي رمضان المباركة داخل الدار البيضاء حيث يزداد مشهد الخشوع جمالًا في مسجد الحسن الثاني، أحد أكبر وأبهى مساجد العالم الإسلامي. هناك، تتراصّ الصفوف في مشهد تتعانق فيه الأصوات بالدعاء.
ليالي المغرب الرمضانية ليست مجرد عبادة، بل فسحة لقاء. المقاهي تمتلئ بالعائلات بعد التراويح، وصوت الضحكات يتسلل بين الجلسات، بينما يحافظ “النفّار” في بعض المناطق على تقليد إيقاظ الناس للسحور بندائه التراثي.
أما السحور، فهو بسيط ودافئ… خبز تقليدي، زيت الزيتون، جبن، وشاي بالنعناع يتصاعد بخاره كأنّه يوقّع ختام ليلة عامرة بالروح.
في المغرب، رمضان ليس مجرد صيام؛ إنه دفء العائلة، وأصالة العادة، ونبض مدينة لا تنام إلا على أمل يوم جديد من الطاعة.
هو شهر تتزيّن فيه الروح كما تتزيّن المائدة،
وتتوحّد فيه القلوب كما تتوحّد الأصوات عند الأذان.
رمضان واحد…
لكن المغرب يعيشه بذوق خاص،
ببهجة هادئة،
وبقلبٍ يعرف معنى الأصالة والكرم.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire