samedi 14 février 2026

"أنا المتصل" بقلم الشاعر: طاهر عرابي

"أنا المتصل"

قصة قصيرة 
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت في عام 2025، ونُقِّحت في 15.02.2026)

أقسى المكالمات… تلك التي لا يأتيك صوتها من الخارج، بل يخرج منك كأنه ليس لك.
لا تخيط شراعًا يغرقك، ولا تتقفى نهراً ينبوعه لا يعرفك. ولا تلمس هواء يتنفسك.


كان يعرف مقاعد الحديقة أكثر مما يعرف وجوه البشر.
كل مساء يحمل متاعه القليل ويتنقّل في المدينة من شارع إلى آخر، حتى ينتهي به التعب تحت شجرة القيقب الضخمة في الحديقة القديمة.
هناك يفرش الصحف كأنها أرض مستعارة ويستلقي. لا يفكر بشيء، ولا ينتظر من أفكاره فائدة.

كان أحيانًا يستيقظ على رنينٍ لا يسمعه أحد سواه… ثم يكتشف أن جيوبه فارغة.

في تلك الليلة، وقبل أن يغمض عينيه، لمح شيئًا يلمع تحت ضوء القمر.
قام مترددًا، مشى خطوات قليلة، ثم انحنى والتقط هاتفًا ذكيًا.
أحسّ بحرارة خفيفة، كأن أحدًا تركه له لتوّه.

تأمله طويلًا كأنه قطعة من عالم لا يخصّه، جلس تحت الشجرة مواجها القمر، وأخذ يضغط أزراره بفضول طفل لم يمسك لعبة من قبل.

فجأة انبعث صوت امرأة:
— مرحبًا… من هناك؟
تردّد قبل أن يجيب، لأنه سمع صوته يسبق كلماته في أذنه. تلفت بين عتبات العتمة وحفيف أوراق القيقب.
— أنا… تحت الشجرة، أين سأكون في مثل هذا الوقت؟
— أي شجرة؟ كيف حصلت على رقمي؟ سأبلغ الشرطة! هذا تحرّش واعتداء على حرمة الآخرين.
— اسمعي جيدًا، لا تعطيني دروسًا باللباقة ولا تهدديني إطلاقًا. أنا لم أتصل بكِ… وجدت الهاتف وحركت أزراره.
أنتِ التي تتدخلين في شؤوني.
أغلقي نوافذك ودعيني أنام.

عاد الصمت… وسكتت المرأة، ولم يعرها أي اهتمام بعد اختفائها.
وكان سعيدًا، في لحظة خُيّل إليه أنه يعرف ما يترتب على اللعب بأزرار الهاتف، وخاف أن يكون على حق… أن للصمت في الداخل فمًا.

رتّب مكان النوم بين جذرين سميكين من الشجرة،
وكان يتمدد ويقول: حتى الشجرة تصنع أسرّة بصمتها الرائع.
كاد أن يغفوا حين تكلم الهاتف من تلقاء نفسه، بصوت عذب مغاير لصوت العجوز:

«لديك ثلاث أمنيات… وبما أنه لا أحد غيرك هنا، فهي لك.»

جلس بسرعة وأمسك بالهاتف وحدّق به كالمجنون.

— أيًّا كانت؟
«أيًّا كانت.»
فكّر قليلًا وقال:
— أريد أن أعيش ألف عام أخرى… حتى أصبح مالكًا للأرض كلها ولي جسد لا يمرض.

تكلّم الصوت بنبرة حادة:
«غير ممكن. لا نسمح لك ذلك. تفضل، بقيت لك أمنيتان.»

— إذن صحة دائمة وأقدام لا تتعب من المسير.
«غير ممكن أيضًا، أنت تتسكع طيلة الوقت ولا نضمن اهتراء كعبيك وانزلاق الركب.»

اشتعل غضبه وصرخ: أي ليلة سوداء ليلتي مع الحمقى!
— إذن اختفِ أنت وأمنياتك! ولا تكلمني أبدًا.
إنها مهزلة بائسة، لك ثلاث أمنيات ثم غير ممكن! ما هذه الوقاحة؟

أغلق الهاتف ورماه، ثم ضرب الأرض بقبضته من شدة غيظه حتى تألمت يده.
بعد لحظات من الدوار في رأسه والتيه بين السكون وأزيز الحشرات، همس:

— يا لغبائي… كيف لي أن أعيش ألف سنة هكذا مشرّدًا؟
لو قلت شيئًا آخر غير هذا الألم… سرير مريح أو بيت بلا إيجار…

التقط الهاتف مرتبكًا، ما إن نظر إليه
حتى سمع صوت رجل بصوت جهوري:

«لقد أحزنت زوجتي… كيف تضيّع الأمنية الثالثة؟
كيف تطلب أشياء غريبة وأنت في أشد الحاجة لكل شيء؟»

— نعم يا سيدي، أعترف لك أني أحمق، ولا أعلم كيف طلبت الف عام وصحة وعافية وأنا لا أملك شيئًا.
أرجوك، أعطني زوجتك لأعتذر لها، ربما تفهمني.

عاد صوت الزوجة العذب ضاحكًا:
«لقد صرفت الثالثة في الحديث معي وداعًا… ربما تأتيك الفطنة بثوب يقبلك.»

وقف، طرق جبينه على جذع الشجرة، ففزعت الطيور.
طرق جبينه على الجذع… ولم يسمع سوى نفسه.

نظر إلى السماء، ثم سكن كل شيء، وكأن بئرًا قد سقط من السماء ليفتش عن ماء في الوحل.

عاد إلى فراشه من الصحف… لكنه توقف.
كانت جديدة، مؤرخة بيوم الغد.

جلس يقرأها ببطء، كمن يعثر على الزمن قبل أن يحدث.
عنوان عريض استوقفه:
«عثر على رجل كلم هاتفه بلغة الفشل، حروفها ألم ونقاطها جمر».

هز رأسه وحك ذقنه، ثم فرشها بعناية واستلقى وهو يتمتم:
أحداث الغد قبل أن يطلع الغد… “أحمق كلم هاتفه”.
هي نفسها أحداث الأمس بعد أن بلغ الأمس قبره.

نام مطمئنًا على غير عادته، كأن أحدًا سيتولّى السهر بدلًا عنه.
بعد ساعة رن الهاتف.

مدّ يده… لكنه تجمّد.
الصوت الذي يجيب كان صوته هو:

— مرحبًا… لديك ثلاث أمنيات.

ابتسم في الظلام وهمس:
— أأطلب بيتًا… من رجل ينام في الشارع؟
أأطلب مالًا من رجل نام مفلسًا تمامًا؟
كيف تكلم صوتي معي وكأنه غريب عني وأنا مغلق الفم؟
ربما تسكنني بقايا أشياء لم أشهدها في حياتي.
أطفأ الهاتف…
وأغلق عينيه، كأنه يحاول الخروج من نفسه.
وهمس مثقلاً:

— المشكلة أنني موجود في هذا المكان، في هذا الزمن أتنفس، أتحرك، أشهد
وأحيانًا… أختنق من وجودي.

أما أنتم… أين أنتم؟
في صدى الفراغ…
أم في ظلالكم؟
أم أن ما نهرب منه… يعود؟

دريسدن- طاهر عرابي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire