نهضت بخلسة من سريرها، وسارت بأمشاط أرجلها، ثم تسللت بهدوء من ذلك الحائط المائل الذي يكاد أن يقع جزء منه، والتقت بـ "هو" الذي ما زال ينتظرها بيد أنها تأخرت بربع ساعة، كما لو أنه واثق بوعدها. يقفان حائرتين وبينهما مسافة متر أو أكثر، هناك على الرصيف الذي يكاد يكون مظلمًا لقلة وصول ضوء إليه، يتبادلان نظرات التأمل.
قالت هي: أتأسف على تأخري. كنت أود المجيء في الوقت المناسب، لكن أمي كانت تراقبني، كأنها علمت شيئًا عنا.
لا تقلقي يا عصفورتي، كل شيء سيكون على ما يرام، قال ذلك، وصمت. إنه يحبها للغاية، لكن عيبه أنه لا يستطيع أن يتشبب مع عصفورته الصغيرة؛ قد يكون حبًا لها أو ربما خجلًا. يحترق من أعماقه شوقًا لها، لكن عندما يرى عينيها السوداوين؛ يتشتت كل التعبيرات المناسبة التي جمعها من شظايا عقله لأجل أن يثبت مدى حبه لها.
أما تلك الصغيرة، فقد اعترفت بحبه لها منذ ذلك اليوم الممطر، عندما أعطاها مظلته ومشى بلا مظلة رغم أن زخات المطر كانت تضربه بقوة.
ظل الحبيبان يقفان بصمت أخرس، حتى تكلمت هي لتقطع هذا الحاجز من الصمت.
قالت: كيف كان يومك؟
_ بخير يا أميمتي، وكيف يومكِ أنتِ؟
_ بخير أنا أيضًا، فقد اشتقت لك، لم أراك منذ ليلتين.
قال لها: هاتي يديكِ وأغمضي عينيكِ.
ضحكت هي ببراءتها وأغمضت عينيها. وضع لها في يديها صندوقًا صغيرًا يغطيه وردة حمراء، وقال لها: لا تفتحيه إلا عندما تودين أن تنامي.
_ حسنًا.
فانصرف الحبيبان. ذهب كل واحد منهما إلى حيث جاء، بحذر من أن يراه الناس.
وصلت هي إلى نفس المكان الذي تسللت منه، ورفعت رأسها بحذر وأكدت عدم وجود أي حركة أو ضجيج، ثم تسللت ودخلت غرفتها.
كانت نيتها أن تعرف ما بداخل هذا الصندوق الصغير. جلست على حافة سريرها، ثم فتحت الصندوق حائرة، فوجدت شيئًا لن تتوقعه أبدًا، جعلها تبكي بكاءً صامتًا، ثم وضعت رأسها على الوسادة فأجهشت، لأن قلبها عجز عن تحمل ذلك. إنها تفاجأت بمصحف صغير مغطى بقماش أبيض.
لم تبكِ لأن حبيبها أعطاها مصحفًا، بكت لأن في غرفتها لا يوجد عندها مصحف، لأنها لم تفكر بأن تشتري مصحفًا. حضنت المصحف بما تبقى من قواها الخائرة، ثم غلبها النعاس، فنامت.
إنهما صادقان ويحبان بعضهما، لكن الخجل يقبض زمام قلبيهما، يخشيان جدًا من الناس.
🖋️: جمال الدين اسماعيل
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire