mardi 3 février 2026

الكوب المكسور *** بقلم: د. عبدالعزيز الرميلي

الكوب المكسور
د / عبدالعزيز الرميلي 

لم يكن الأب فقيرًا،
كان غنيًّا بما يكفي ليمنح، وفقيرًا بما يكفي ليصمت.
في بيتٍ صغيرٍ، كان يضع على الرف أكوابًا متشابهة،
إلا كوبًا واحدًا…
مكسور الحافة، خشن الفم، يشبه قلبه أكثر مما يشبه الزجاج.
كان إذا اجتمع الأبناء ناولهم الأكواب الأجمل،
المصقولة، الشفافة، التي تعكس الضوء وتحتمل التصفيق.
ويأخذ هو الكوب المكسور،
لا تفضّلًا…
بل عادةً صارت جزءًا من يومه، كالتنفس.
لم يكن يشتكي.
كان يراقب فقط.
ينتظر أن يلاحظ أحدهم أن الشقّ في الكوب ليس قدرًا،
بل اختيارًا.
كبر الأبناء،
كبرت أيديهم،
وتوسّعت موائدهم،
وبقي الكوب المكسور في يد الأب.

ظنّ—ببساطة العارفين—

أن الإيثار يُربّي الوفاء،
وأن العطاء الصامت سيعود يومًا صوتًا في فم أحدهم:
"دعني أنا أشرب بالكوب المكسور."
لكن السنوات مرّت،
وتعلّم الأبناء شيئًا واحدًا فقط:
أن الجميل مُتاح،
وأن المكسور له صاحبه.
وفي يومٍ بارد،
وضع الأب الكوب على الطاولة ولم يعد.
لم ينكسر الكوب حينها،
كان مكسورًا منذ زمن،
لكن ما انكسر حقًا…
هو المعنى.
وقف الأبناء حول الطاولة،
نظروا إلى الكوب،
واكتشفوا متأخرين أن الشقّ لم يكن في الزجاج،
بل في قلوبٍ تعلّمت الأخذ
ونسيت أن تتعلّم الرد.
مات الأب،
وبقي الكوب المكسور شاهدًا وحيدًا،
يقول بصمته:
ليس كل من أعطى كان ينتظر المقابل،
لكن بعض العطاء…
كان يتمنى أن يُفهم.

✍🏻
بقلم: د. عبدالعزيز الرميلي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire