مقدمة: بين الحقيقة والزيف
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتعالت فيه صيحات شيوخ الإعلام المنبطحين الذين باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس، تبقى غزة شامخة، صامدة، شاهدة على أن الحق لا يُقاس بالأرقام، وأن العزّة لا تُوزن بالعتاد. هؤلاء الذين تاجروا بالكلمة وشوّهوا الحقائق، ظنّوا أن بإمكانهم طمس نور غزة، لكنهم نسوا أن الشمس لا تُحجب بغربال، وأن الحقيقة مهما حوربت لا تموت، بل تزداد سطوعًا كلما اشتدّ عليها الحصار.
القرآن منهاج: الاستطاعة لا الاستحالة
يقول الله عز وجل:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
لم يكلّفنا الله بما لا نطيق، ولم يأمرنا بامتلاك كل القوة في العالم، بل أمرنا بالإعداد في حدود الاستطاعة، مقرونًا بالإيمان والتوكّل. هذا هو جوهر الآية الذي يتجاهله شيوخ الإعلام المنبطحون، لأنهم لا يرون النصر إلا بميزان الحديد والنار، ولا يعترفون بالقوة إن لم تكن معروضة في جداول السلاح.
فالقرآن لا يدعونا إلى الاستسلام أمام جبروت العدو، بل إلى الاستعداد الواعي، مهما بدت الإمكانيات متواضعة. وهذا ما فهمه أهل غزة، فحوّلوا القلّة إلى إرادة، والحصار إلى وعي، والإيمان إلى فعلٍ حيّ في مواجهة آلة حربٍ عمياء.
آياتٌ يتجاهلها المنبطحون
القرآن الكريم زاخر بالآيات التي تهدم منطق الهزيمة المسبقة، وتفضح الوهم القائم على تقديس الأرقام والقوة المادية، غير أن شيوخ الإعلام المنبطحين يتعمّدون غضّ الطرف عنها، لأنها تسقط خطابهم من جذوره. يقول الله تعالى:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21]
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]
هذه الآيات تهدم كل أوهام المنبطحين، وتؤكد أن النصر من عند الله، وأن الإيمان والصبر والثبات وحسن الإعداد هي المفاتيح الحقيقية للظفر، لا مجرد الأرقام والإحصائيات.
شيوخ الإعلام المنبطحون: عرائس بلا روح
أما أولئك الذين يتصدرون الشاشات ويملأون الأثير بأصواتهم الجوفاء، فهم كعرائس في مسرح الزيف؛ بلا عقلٍ ناقد ولا قلبٍ نابض. يزنون القضايا بموازين مادية بحتة، ويحسبون أن القوة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات، متناسين أن التاريخ ذاته شاهد على سقوط الأقوى أمام الأصدق.
لبسوا عباءة الحكمة زورًا، وتاجروا بالدين حينًا، وبالوطن حينًا، وزيّنوا الخنوع بخطابٍ عقلانيٍ مزيّف، يخدم أجندات مشبوهة. لكن كلماتهم ستبقى وصمة عار، والتاريخ لا ينسى ولا يرحم. لقد فضحتهم غزة، وأسقطت أقنعتهم، وكشفت خواءهم أمام وعيٍ شعبيٍ لم يعد يُخدع بالألقاب ولا بالبريق.
غزة: رمز العزّة والصمود
غزة ليست مجرد أرضٍ محاصرة، بل معنىً متحرّك وإرادةٌ تقاوم. صمودها أبلغ من الخطب، وعزتها أصدق من البيانات، ودمها أصدق من كل التحليلات الباردة.
صمود غزة صمود حضاري وإنساني وإيماني؛ شعبٌ أبى أن يعيش راكعًا، فاختار الوقوف في وجه العاصفة. أطفال يرسمون أحلامهم فوق الركام، ونساء يصنعن الأمل من رحم المعاناة، ورجال يحملون على أكتافهم أمانة الأرض والكرامة.
دروس التاريخ: حين ينتصر القليل على الكثير
لم يكن النصر يومًا رهين الكثرة، بل ثمرة الإيمان وحسن الإعداد ووحدة الإرادة. من بدر إلى اليرموك إلى حطين، لم تتبدّل سنن الله. وغزة اليوم تعيد كتابة هذه السنن بدم الشهداء وثبات الأحياء.
الإعداد الحقيقي: وعي وفكر وإيمان
الإعداد الذي يأمر به القرآن ليس تكديسًا أعمى للسلاح، بل بناءٌ للوعي، وتحريرٌ للعقل، وتربيةٌ للإرادة. أمة واعية لا تُخدع، وأمة مؤمنة لا تُهزم، وأمة تفكّر لا تُستدرج.
غزة علّمتنا أن المعركة تبدأ من القلب قبل الميدان، وأن التخطيط مع الإيمان يصنع المعجزات، وأن الصبر سلاح لا يُهزم.
خاتمة: النصر للصابرين
ستبقى غزة رسالةً حيّة، ووصمةً في جبين كل إعلامٍ منبطح خان الكلمة وباع الموقف، بينما الحقيقة تمضي مشرقةً لا تحجبها الغيوم.
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
غزة صمدت وستبقى صامدة، عزتها راسخة، وصرختها مدوّية، وشوكَتُها في حلوق المتخاذلين.
غزة العزّة… غزة الصمود… غزة الكرامة.
ومهما طال الليل، فالفجر آتٍ لا محالة.
إضافة البيتين الختاميين:
غَزَّةُ العِزَّةِ لا تَهوى انكسارًا صَوتُها يَعلو على كَيدِ الطُّغاةِ
صَبرُها صَرحٌ، وإيمانٌ مُقيمٌ يَنسِفُ الزَّيفَ ويَفضَحُ المُدَّعاهْ
التوقيع الأدبي:
بقلم فادي عايد حروب (الطياره) فلسطين – جميع الحقوق محفوظة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire