بركات الساير العنزي
من مجموعتي الثانية
حوار الطرشان
ط..دار الفراعنة..القاهرة
الأم العظيمة
....قلت له : حدثني عن تجربتك في الحياة ..قال :
-حسنا ، هل أبدا من النهاية أم من البداية ؟ ولكن هذا لايهم ، لأن النتيجة واحدة . ارتبطت بأمي ارتباطا وثيقا ، كانت روحي في الحياة ولا زالت ، حفظها الله وأبقاها .. فتحت عيني على الدنيا وأنا أكره أبي ، بل أمقته ، كم كنت أتمنى لو كنت كبيرا فأوقفه عند حده ،جرح طفولتي ، ونما الجرح مع الكبر ، كان يضرب أمي بسبب وبلا سبب ، يريد إثبات رجولته أمام المرأة ، ولم يحترم مشاعرنا..ولم يقدر حب الطفل لأمه .. ازداد تعلقي بأمي كلما ازدادت شراسة أبي، وتعلقت أمي بنا .
تحملت الإهانة من أجل ولدين وبنت واحدة... لم يكتف بذلك فطلقها وعمري عشر سنوات وتركنا دون معيل ، وتزوج امرأة ثانية أصبح عبدا لها ، لم تكن أجمل من أمي ولا أفضل منها ...
راحت أمي تعمل بالحقول فلاحة لتقدم المساعدة لنا، وكان عندها بقرة واحدة تطعمنا من حليبها ، وتبيع الباقي .. أصرت أن نكمل دراستنا ، طلبت منها أن أترك المدرسة وأعمل في الحقول لأساعدها ولكنها لم توافق، وصممت على إكمال دراستي ..ورفضت الزواج وقد تقدم لها الكثير من الرجال ، وكانت على جانب كبير من الجمال ، وصاحبة أخلاق عالية ، ولكنها أبت إلا خدمة أولادها .. لم أر أمي يوما تقف أمام المرآة لتزين نفسها ، لم ترتد الثياب الجميلة ... فهمت ذلك بعد أن كبرت ..لا تريد أن ينظر إليها الرجال ومن في نفسه طمع .. طاهرة طهارة الملائكة. وتكبر في عيني كل امرأة تعتز بشرفها وطهارتها ...
....بعد نجاحي في المدرسة الإعدادية انتقلت إلى مدينة المياذين ،استأجرت غرفة صغيرة .. حيث التحق أخوتي بعدي للدراسة في المدينة ... كانت أمنا أقوى من الرجال ، تقدم لنا بسخاء وعطاء دون كلل أو ملل ، لم تشتك يوما ولم تذرف دمعة ، البسمة دائما بادية على محياها، تعتز بنا وتقول : هؤلاء كنزي من الدنيا لا أريد شيئا آخر في الحياة .. درست الثانوية ..ونجحت فيها بتفوق .ثم التحقت بمعهد المعلمين ، وبعد عامين أصبحت معلما في مدينة الميادين ،لم تستطع أمي أن تخفي فرحها وسعادتها بعد تخرجي وتعييني ، ولأول مرة رأيت أمي بثياب جميلة ،رأيت أمي وهي تهتم بمظهرها فبدت في أحلى هيئة ، وقلت لها مازحا :
- يا أم أشرف رجعت عشر سنوات إلى الوراء ، أنت في عز الشباب . سيتقدم إليك العرسان !! . ابتسمت ابتسامة عريضة ونظرت إلي ، ووضعت يدها في يدي ، ومشت بي داخل الغرفة وقالت :
- جاء الزمن الذي أفرح به، أنتم الأمل الذي ينير حياتي .من خلالكم أرى سعادتي . تركت الدنيا من أجلكم . ألا يحق لي الآن أن أفرح بكم ؟! اسمع يا أشرف أريد أن أفرح بك فرحتين ، هل توافقني؟
-قلت وهل أرفض طلبا لأمي ؟!
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire