مرايا الغياب
بقلم: د. جمال جبارة
في زاويةٍ منسيّةٍ من مكتبته العتيقة، كان "باسم" يحتفظ بمرآةٍ صدئة، لا تعكس الوجوه، بل تعكس الأماكن التي زارها الحنين إلى الماضي العتيق.
كل صباح، كان يمسح غبار السنين عن زجاجها، فيرى خلفه طيفاً لامرأةٍ لا تلتفت ناحيته؛ كانت تقف في حديقةٍ غريبةٍ عنه، لا يعرفها يوماً، تُمسك بيده، لكن يدها كانت تتسرب عبر كفّه كأنها دخانٌ يصعد نحو السماء. لم تكن مجرد ذكرى، بل كانت خريطةً لزمنٍ هالكٍ، توقف في منتصف قبلةٍ أو لمسةِ يدٍ مرتجفة.
هذا الصباح، وبينما كان يقرأ رسالةً لم يكتبها أحد، اهتزت المرآة بعنفٍ كادت تقتلعها من مكانها. ولأول مرة، التفتت المرأة. لم تكن ملامحها تشبه ما يتذكره طيلة حياته، بل كانت تحمل وجهه هو بملامح صباه، لكن بعينين زرقاوين كبحرٍ هادئ الموج، لم يشهده من قبل.
أخفضت المرأة يدها، وأشارت بإصبعها نحو المرآة؛ لم تكن تدعوه للدخول، بل كانت تمسح بقطعة قماشٍ سحريةٍ ما بداخل الإطار الزجاجي. وفجأة، بدأت تفاصيل الغرفة التي يعيش فيها "باسم" تتلاشى، لتحل محلها تفاصيل الحديقة الغريبة بأشجارها المتشابكة.
تراجع "باسم" مذعوراً واصطدم بكرسيه الهزاز، ليلتفت خلفه ويجد جدران مكتبته التراثية قد اختفت تماماً، وبات واقفاً وسط العشب الذي طالما رآه في المرآة.
تسمّر في مكانه؛ فقد سمع صوتاً مألوفاً قادماً من خلف الشجرة الشائخة، صوت امرأةٍ تناديه باسمه، وخطواتٍ تقترب بحذر. وضع يده في جيبه وعقد حاجبيه، بدأ جسده يتحسس البرودة، والسماء فوقه تمطر أوراقاً بيضاء مكتوباً عليها بخط يده وممهورةً بتوقيعه:
"لا تلتفت.. فمن تحبه، هو أنت ولكن في زمنٍ آخر".
توقف الصوت خلف ظهره تماماً.. ثم فُتحت البوابة على مصرعيها.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire