قصتان وعبرتان في يوم واحد
أحيانًا تمنحنا الحياة دروسها من أماكن لا نتوقعها؛بعضها يأتي من آياتٍ نتأملها طويلًا،وبعضها الآخر يمرّ عابرًا في تفاصيل يومية بسيطة،لكنه يترك في الروح أثرًا يشبه حكمة العمر.
في يومٍ واحد، توقفتُ أمام قصتين مختلفتين،لكنهما قادتا إلى المعنى نفسه.
الأولى من وحي القرآن الكريم؛حين نتأمل كيف خاطب إبليس ربَّه رغم عصيانه وغضب الله عليه، فقال:﴿ربِّ فأنظرني إلى يوم يُبعثون﴾.وكيف أوصى الله موسى وأخاه وهما ذاهبان إلى فرعون:﴿فقولا له قولًا لينًا﴾.
كأن الرسالة الأعمق دائمًا أن الأخلاق لا تسقط حتى في أشدّ لحظات الخصومة،وأن الرقة في الخطاب ليست ضعفًا،بل سموّ نفسٍ وتربية روح.
أما القصة الثانية،فكانت مع عاملة تنظيف تُدعى “أم لؤي”،استعنتُ بها بعد شتاءٍ طويل.
سألتها عن بقعةٍ استعصى تنظيفها،فأجابت ببساطةٍ جعلتني أفكر طويلًا:
“ما في شي ما بينظف… إلا الإنسان.”
بقيت عبارتها عالقة في ذهني طوال النهار.فبعض القلوب، مهما مرّ عليها العمر،تبقى مثقلةً بما فيها من قسوةٍ وحسدٍ وجفاء.
تمنحهم الودّ،فيقابلونه بالبرود.وتفتح لهم قلبك،فيتركون فيه ندبةً جديدة.
ومع السنوات،يكتشف الإنسان كم أهمل نفسه وهو يحاول أن يكون سندًا للآخرين،وكم استنزف قلبه ظنًّا منه أن النوايا الطيبة تكفي ليصبح العالم أكثر رحمة.
لكن الحياة تعلّمنا متأخرين أن بعض العلاقات، مهما حاولنا ترميمها،تبقى قائمة على خللٍ خفيّ،وأن ما بُني على الزيف لا يمنح الروح طمأنينةً حقيقية.
يقول البعض إن كتاباتي يغلب عليها الحزن،وأقول:أنا لا أكتب بحثًا عن العتمة،بل أكتب كما أشعر،وكما أرى هذا العالم يتبدّل من حولنا.
فالإنسان لا يتعب من قسوة الأيام وحدها،بل من خيبات القلوب أيضًا؛من شعوره أنه يمنح الكثير،بينما يعود إليه صدى صوته باردًا…كأن أحدًا لم يسمعه يومًا.
وربما لهذا السبب،يأتي وقتٌ يحتاج فيه الإنسان أن يتصالح مع نفسه أكثر،أن يحمي روحه،وأن يتوقف عن إهدار قلبه في الأماكن التي لا تُشبهه.
فالطيبة ليست ضعفًا،لكنّ القلوب النقيةتتعب كثيرًا في زمنٍ مزدحمٍ بالأقنعة.
حسين عبدالله جمعة - لبنان
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire