انتظريني أيتها السعادة
*************
جلست في المقهى تنتظر إطلالته البهية بشوق عارم، هذه المرة تختلف عن سابقاتها ، حبيبها سيسافر للعمل خارج البلاد، سيغادر المقهى والمدينة ، لكنه في الحقيقة لن يغادرها لأنه يسكنها و يحتل كل شبر منها، فقد اخضرت نباتاتها وتفتح زهرها بوجوده فيها، تأنقت بقدومه، أقبل بابتسامته المعهودة، نثر حلو الكلام، وتملى بنظراته المنتشية عينيها الساحرتين محدثا نفسه مرات عديدة، بأحاديث لذيذة شيقة، (يوما ما ستكون هذه الجميلة زوجتي)، إلتفت يميناً وشمالاً مخافة أن يطيل أحدهم النظر إليها. كانت ممشوقة القوام، بسحنة تميل إلى السمرة، هادئة، تطيل النظر إليه وتتفحص تفاصيله وتلك الغمازات الفاتنة، التي ترسل رسائل حب تدعو للأبحار في عالم من الجمال الأخاذ والإعجاب بكلمات حوت كثيرا من السحر والبهاء. لم يكن حباً عادياً بل هياماً سرمدياً جمع بينهما ليخلق منهما أجمل حبيبين على وجه الأرض. جلس قبالتها بملامحه الجميلة، وأناقته الملحوظة أمسك يديها ليقول لها: - أنا هنا.. أنا معك .. ولن أتركك ابدا . بادرته بكلماتها الحنونة: - حبيبي.. لفرط حبي لك أصبحت متوجسة ، قلقة مما يخفيه لنا المستقبل، وخائفة من أن يكون سفرك رحيلاً لا رجعة بعده .. وأن تجد هناك من يؤنسك، ويتقرب منك ويداوي جراحك و يبعد عنك قسوة الغربة . قطع همسها بصوته الحنون مقترباً منها بكل حنان وعطف ممزوج بحب عميق ومشاعر جياشه تنم عن صدق أحاسيسه وقال وهو يمسك بيدها: - رويدك حبيبتي.. لن أخذلك ابداً، أنا لك ومعك، ويوماً ما سنتزوج ويكون لنا بيت يجمعنا. أستغرب حينما أجدك تشكين في حبي لك. كيف أترك قلبي وأرحل دون عودة ؟ أنت لا تعلمين ما يختلج في صدري في غيابك، و أن أكثر ما يكدر صفو عيشي، هو عدم رؤيتك، وعدم لقائك نهاية كل أسبوع . ضم يديها بشدة، وقربها إليه، أمعن النظر في عينيها، لم تستطع تماسك نفسها فسبقتها دموعها، تترجم ألم الفراق، وصعوبة فقد غير محدد. ربّت على كتفها ومسح دموعها وخاطبها بكل حنو ورقة: - جميلتي لن يطول الغياب، وسأعود إن شاء الله تعالى، سفري هذا مؤقت، وكله من أجلنا ومن أجل مستقبلنا، فمنذ أن عرفتك ، حرصت على بناء مستقبل يجعلنا سعداء معاً فقد حوت هذه المدينة أجمل حكايات حبنا الصادق، فصارت شوارعها وأزقتها صفحات جميلة تحتضن حبنا الجميل، تركنا آثار قصتنا التي تشبه أنشودة لحنها ترنيمة تتردد على الأفواه . رسمت ابتسامة على ثغرها، وخاطبته بخلق الحب، وصدق الكلام، أحببتك وعشقتك لأنك تشبه المطر، جعلت القلب لك وحدك .. أسعد بك كما تسعد الأرض بنزول زخات المطر، فتخضر وتسعد . أرقص فرحةً بقدومك، وكأنني طفلة صغيرة، أغازل الشمس وأرسل الورد رسائل حب ، أنثر التحايا لك وحدك، لست حبيباً فقط بالنسبة لي، بل سنداً ورجلاً وصديقاً، أسأل الله أن يبقيك بجنبي ، تلازم حياتي ، وأن يديمك رفيقاً لقلبي ووحيدي، إلى نهاية الدرب، تضمد جراحاتي، ترسم البسمة على محياي وكلما
هتفت باسمك أجدك إلى بجواري وبقربي، وكلما ناديتك لبيت النداء . - فتاتي الجميلة الطيبة، حبيبتي، سأسافر من أجلنا نحن الاثنين، لنحقق حلمنا، ونكمل قصتنا، من أجل حبنا المجيد، سأحصل على المال وأعود إليك لنبني بيتنا السعيد معاً نؤثثه كيف نشاء، نزرع حوله الزهور، ونلونه بألوان الربيع، نحقق ذاك الحلم الصغير الكبير، الصغير لأنه بلا طمع، والكبير بحجم حبنا، سيصبح حقيقة نعيشها معاً دون خوف دون اختباء، أخبر الجميع وأقول لهم : - هذه زوجتي وشريكة حياتي، في هذه اللحظات، لم تتمالك نفسها، قامت إليه تحضنه ونظرات رواد المقهى الأدبي، تعاتبها على تصرفها غير اللائق في مكان خاص بالأدب، تراجعت للخلف وقد أحمرّ وجهها خجلاً طأطأت رأسها معتذرة من الجميع، لكن داخلها كان يحمل كل فرح العالم، هدأ من روعها ووعدها ككل مرة أنه باق على العهد والوعد ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة وطلب منها إغلاق عينيها الجميلتين ليقدم لها هديته عربون حب أبدي وعهد زواج أشهد عليه كل الحضور، حب لن تهدمه الرياح ولن تحطمه الازمات، ولن يهزمه البعد، بل يزداد قوة وصلابة.. أخرج خاتماً لامعاً من العلبة الحمراء، ألبسه اياه وطبع قبلة على كفها . غمرتها سعادة كبيرة وراحة عظيمة، دون حدود وهي تتأمل ملامحه التي قالت كل شيء ، نظر لساعته ثم طلب منها مرافقته للمحطة، ودعته وبقيت متسمرة في مكانها حتى ابتلعت الطريق الحافلة، وماعاد لها من وجود، عادت وكلها أمل أن القادم أجمل وأحلى، عادت وكلها عزم وإرادة للعمل ولإكمال دراستها في سلك الدكتوراه.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire