تخاريف شارع عماد الدين
الحلقة الأولى
اسباتس
“في شارع عماد الدين لا تموت الحكايات. فقط يختفي أصحابها.
وتبقى رائحة الاسباتس معلقة في الهواء.”
كلما عدت من الخارج كانت هناك طقوس لا تتغير. أشياء أفعلها دون تفكير كأنها جزء من تكويني. أولها أن أذهب إلى وسط البلد. فالقاهرة القديمة بالنسبة لي ليست مجرد مكان. إنها حالة كاملة من الحنين. مدينة لا تُرى بالعين فقط بل تُشم وتُسمع وتُحس.
في ظهيرة قاهرية خانقة من الصيف خرجت من ميدان طلعت حرب أسير ببطء. أتأمل العمارات الأوروبية العتيقة التي اسودّت جدرانها من الزمن والدخان. الباعة الجائلون يحتلون الأرصفة. أبواق السيارات تختلط بنداءات الباعة ورائحة البن المحمص والكشري ودخان المعسل الـ«أص» الثقيل المتصاعد من المقاهي القديمة.
مررت بشارع رمسيس ثم أكملت طريقي إلى شارع عماد الدين. المسافة كلها لا تتجاوز كيلوين ونصف تقريباً لكنها كانت بالنسبة لي رحلة داخل الذاكرة.
ذلك الشارع الذي أقمت فيه بفندق جلوريا أثناء فترة التجنيد في الثمانينيات.
كان شارع عماد الدين وقتها عالماً آخر. الفنانون يتحركون فيه كأنهم أهل الحارة. المسارح مضاءة حتى ساعات الصباح الاولي. المقاهي ممتلئة بالصحفيين والممثلين والكومبارس وعمال الديكور. وكل رصيف فيه حكاية.
كنت أجلس كل ليلة في شرفة غرفتي المطلة على مسرح نجيب الريحاني. أراقب الفنانين قبل العرض. أتابع الحركة السريعة خلف الكواليس. ضحكات عالية. وجوه متعبة. ممثل يحفظ دوره وهو يسير في الشارع. وعامل يحمل ديكوراً خشبياً فوق ظهره وكأنه يحمل المسرح كله.
وفي تلك الأيام كانت مسرحية “القشاش” تضيء ليالي شارع عماد الدين. بطولة الفنان الراحل سيد زيان الذي استحق لقب “قشاش المسرح” بجدارة. وشاركه البطولة وحيد سيف وميمي جمال ومظهر أبو النجا. بينما كان أحمد آدم يظهر وقتها في بداياته الفنية الأولى.
وكان الشارع قبل رفع الستار يتحول إلى ما يشبه المولد الشعبي. سيارات الأجرة مصطفة. باعة الترمس وحمص الشام يحتلون الأرصفة. ورواد المسرح يتجمعون أمام البوابة المضيئة وسط دخان السجائر وضحكات الناس.
وأثناء سيري اليوم توقفت أمام كشك المشروبات القديم المقابل للمسرح. نفس الكشك الخشبي العتيق الذي كنت أشتري منه الاسباتس والسيدر أيام الشباب… ثم في كل زيارة أعود فيها إلى القاهرة.
لكن شيئاً كان ناقصاً.
لم أجد عم سيد النوبي واقفاً مكانه.
عم سيد لم يكن مجرد بائع مشروبات. كان قطعة من روح الشارع. رجل جاء من أسوان بحثاً عن لقمة العيش. ثم صار يعرف الفنانين والباعة وعمال المسرح وسواقين التاكسي أكثر مما يعرفون أنفسهم.
وجدت ابنه حسين يجلس مكانه بجلابيته البيضاء المطرزة وعمامته الأسوانية.
ما إن رآني حتى نهض مرحباً:
ـ يا أهلاً بالدكتور. والله زمان.
صافحته بحرارة وسألته:
ـ فين عم سيد؟
اختفت الابتسامة من وجهه قليلاً وقال:
ـ أبويا توفى رمضان اللي فات.
شعرت وكأن جزءاً من الشارع نفسه قد مات.
جلست أمام الكشك. طلبت زجاجة اسباتس باردة.
ناولني الزجاجة وهو يبتسم:
ـ لسه الطعم زي زمان.
ارتشفت أول رشفة. وكان طعمها البارد يحمل رائحة القاهرة القديمة كلها.
ورأيت بجوار باب الكشك صورة عم سيد بعمامته البيضاء وملابسه النوبية. كأنه ما زال يراقب الشارع من مكانه المعتاد.
وبينما كنا نتحدث أشار حسين إلى المسرح وقال:
ـ فاكر أبويا لما كان يقعد هنا والفنانين كلهم يعدوا عليه؟
قلت:
ـ عم سيد كان أشهر من الفنانين نفسهم.
ضحك ثم قال:
ـ يوم جنازته الشارع كله نزل. وعمال المسرح شالوا النعش على كتفهم.
ثم صمت قليلاً وأضاف:
ـ زمان الناس كانت تعرف قيمة بعضها.
في تلك اللحظة مرّ أمامنا تاكسي أسود قديم من نوع بيجو ٥٠٤. كان السائق يشغل أغنية لعبد الحليم:
“جانا الهوى جانا…”
ابتسمت وقلت:
ـ تعرف يا حسين؟ أكتر ناس أحب أتكلم معاهم في مصر هما أصحاب الأكشاك وسواقين التاكسي.
قال مبتسماً:
ـ دول الحكومة الحقيقية يا دكتور.
ثم اقترب مني فجأة وخفض صوته كأنه على وشك كشف سر خطير:
ـ شوفت اللي حصل للدكتور ضياء؟
نظرت إليه مبتسماً:
ـ ماله؟
نظر حوله بحذر ثم قال:
ـ اللي هقولهولك يا دكتور… هو السبب الحقيقي اللي خلاهم يقتلوا الدكتور ضياء.
يتبع…
✍️ ❝ 𝒟𝓇. 𝒯𝒶𝓇𝑒𝓀 𝐻𝒶𝓂𝒾𝒹𝑜 ❞
#تخاريف_شارع_عماد_الدين
#اسباتس
#وسط_البلد
#القاهرة_القديمة
#شارع_عماد_الدين
#مسرح_الريحاني
#القشاش
#سيد_زيان
#فندق_جلوريا
#حواديت_القاهرة
#نوستالجيا
#ذكريات_الثمانينات
#الزمن_الجميل
#القاهرة
#مصر_الجميلة
#أيام_زمان
#حكايات_مصرية
#دفاتر_القاهرة
#وسط_البلد_زمان
#القاهرة_لا_تموت
#قصص_أدبية
#الحنين
#المعسل_الأص
#سواقين_التاكسي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire