العشر الأوائل من ذي الحجة، أيامٌ تُزهر فيها الأرواح
حين تقترب العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، يشعر الإنسان بشيءٍ مختلف يسكن قلبه، كأنّ الأبواب التي أثقلها التّعب تُفتح ببطء، وكأنّ السّماء تمنح الأرواح فرصةً جديدة للعودة إليها، إنّها ليست مجرّد أيامٍ عابرة في التّقويم، بل مواسم رحمة، وأوقات مباركة أقسم الله بها في كتابه الكريم لعظيم شأنها ومكانتها.
في هذه الأيام، يتغير إيقاع الحياة عند المؤمن؛ فيكثر الدّعاء، ويعلو صوت التّكبير، وتلين القلوب التي أرهقتها الدّنيا، نشعر أنّ الخير أقرب، وأنّ الطّمأنينة تسير بين النّاس بهدوء، حتى الوجوه تبدو أكثر نقاءً، وكأنّ النّفوس تحاول أن تتخفف من أثقالها لتقترب من الله.
ومن أعظم ما يميز هذه الأيام أنّها تجمع بين أمهات العبادات؛ الصّلاة، والصّيام، والصّدقة، وذكر الله، والحج، فيجتهد النّاس فيها لأنّهم يعلمون أنّ العمل الصّالح في هذه الأيام أحبّ إلى الله من غيره، وأنّ لحظة صدق واحدة قد تغيّر قلب الإنسان كله.
ويأتي يوم عرفة، ذلك اليوم الذي يشبه الغفران الكبير، فتزدحم القلوب بالدّعوات، وتفيض العيون بما خبأته طويلًا، فيه يقف الحجاج على صعيد عرفة بملابس بيضاء متشابهة، كأنّ الدنيا كلها تذوب أمام معنى واحد: نحن عباد الله، لا فرق بيننا إلا بقلوبنا.
ثم يحلّ عيد الأضحى، فتكتمل الفرحة بالتّكبير وصلة الرّحم وتوزيع الأضاحي ومشاركة المحتاجين فرحتهم، العيد ليس ثوبًا جديدًا فقط، بل شعور بالامتنان، ورسالة حب وتراحم بين النّاس.
العشر من ذي الحجة تذكّرنا دائمًا أنّ الإنسان مهما أثقلته الحياة، يستطيع أن يبدأ من جديد، يكفي أن يفتح قلبه لله بصدق، وأن يؤمن أنّ الرّحمة قريبة، وأنّ الله لا يرد عبدًا جاءه بقلبٍ يرجو المغفرة والسّلام.
الأردن
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire