أ.د. لطفي منصور
قَبَسٌ مِنَ السيرّةِ النَّبَوِيَّة الشِّريفَة:
وُفودُ الْجارودِ وَقَوْمِه إلَى الرَّسول في المدينةِ:
في سِنَةِ عَشْرٍ لِلْهِجْرَةِ، وهي سَنَةُ الْوَفودِ عَلى النَّبِيِّ في المَدينَةِ لاِعْنتِناقِ الإسْلامِ فَنَهَضَ الْجارودُ - وهو عَبْدُ اللَّهِ العَبْدِي من قَبيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وكانَ نَصْرانِيًّا- وَمَعَهُ صَنادِيدُ قَوْمِهِ، في أَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَأَتَمِّ سِلاحٍ قادِمينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تَرَدَّوْا بِالْعَمائِمِ يَجُرُّونَ سُيوفَهُم، وَيَجُرُّونَ أَذْيالَهُم، وَيَتَناشَدُونَ الأَشْعارَ، لا يَتَكَلَّمُونَ طَويلا، وَلا يَسْكُتونَ عِيلا. يَأْتَمِرونَ بِأَمْرِهِ، وَيَنْزَجِرونَ بِزَجْرِهِ، كَأَنَّهُمْ أُسْدُ غِيلٍ.
وَعِنْدَما دَخَلُوا مَسْجِدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَمَثَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ تَقَدَّمَ الْجارودُ وَوَقَفَ أمامَ النَّبِيِّ، وَحَسَرَ لِثامَهُ، وَأَحْسَنَ مِنْ كَلامِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقولُ: مِنَ الْخَفيفِ
يا نَبِيَّ الْهُدَى أَتاكَ رِجالٌ
قَطَعَتْ فدْفَدًا وَآلًا فَآلا
وَطَوَتْ نَحْوَكَ الصَّحاصِحَ طُرًّا
لا تَخالُ الْكَلالَ فِيكَ كَلالَا
كَلُّ دَهْناءَ يَقْصُرُ الطَّرْفُ عَنْها
أَرْقَلَتْها قِلاصُنَا إِرْقالَا
وَطَوَتْها الْجِياَدُ تَجْمَحُ فِيها
بِكُماةٍ كَأَنْجُمٍ تَتَلالا
تَبْتَغِي دَفْعَ بَأْسِ قَوْمٍ عَواسٍ
أَوْجَلَ الْقَلْبَ ذِكْرُها ثُمَّ مالا
فَلَمّا سَمِعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَرِحَ فَرحًاَ شَدِيدًا، وَأَدْناهُ مِنْهُ، وَقَرَّبَهُ وَرَفَعَ مَجْلِسَهُ، وَحَباهُ وَأَكْرَمَهُ وَقالَ: "يا جارودُ لَقَدْ تَأَخَّرَ بِكَ وَبِقَوْمِكَ الْمَوْعِدُ، وَطالَ بِكُمُ الأَمَدُ!
قَلَ: وَاللهِ يا رَسولَ اللهِ لَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ أَخْطَأَكَ قَصْدُهُ، وَعَدِمَ رُشْدَهُ، وَتِلْكَ وَايْمُ اللهِ أَكْبَرُ خَيْبَةٍ، وَأَعْظَمُ حَوْبَةٍ، وَالرَّائِدُ لا يَكْذِبُ إهْلَهُ، وَلا يَغُشَّ نَفْسَهُ، لَقَدْ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَنَطَقْتَ بِالصِّدْقِ، وَالَّذي بَعَثَكَ نَبِيًّا، وَاخْتارَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِيًّا، لَقَدْ وَجَدْتُ وَصْفَكَ فِي الإنْجِيلِ، وَقَدْ بَشَّرَ بِكَ ابْنُ الْبَتُولِ، وَطُولُ التَّحِيَّةِ لَكَ، وَالشُّكْرُ لِمَنْ أَكْرَمَكَ وَأَرْسَلَكَ، لا أَثَرَ بَعْدَ عَيْنٍ، مُدَّ يَدَكَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
قَالَ: فَآمَنَ الْجارودُ، وَآمَنَ مِنْ قَوْمِهِ كُلُّ سَيِّد، وَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ سُرورًا، وَابْتَهَجَ حُبُورًا.
----------------
الْكَلِماتِ الصَّعْبَةُ:
تَرَدَّوا: لَبِسُوا. وفي المثَلِ: الْعَمائِمُ تِيجانُ العَرَبِ
الأَذْيال: جَمْعُ ذَيْلٍ وهو الطَّرَفُ الْخَلْفِيُّ لِلثَّوْبِ الذي يَجُرُّ عَلى الأَرْضِ كِبْرِياءَ.
يَسْكُتون عِيلا: لا يسكُتُونَ من عَيٍّ، وَإنَّما احْتِرامًا لِلْقائِدِ.
الْغِيلُ: الغابةُ كَثيفَةُ الأشْجار، تَسْكُنُها السِّباع.
الْفَدافِدُ جَمْعُ الْفَدْفَدِ وهي الصَّحراء التي لا ماءَ فيها.
الْآلُ: السَّرابُ. وهو مِنِ انعِكاسِ أَشِّعَّةِ الشَّمْسِ عَلَى الرِّمالِ أَوِ الْجِبالِ يُرَى كَالْماء.
الصَّحَاصِحُ جَمْعُ الصَّحْصَحِ، وهو الصَّحارِي.
طُرًّا: جَمِيعًا. الْكَلالُ: التَّعَبُ. أيْ كَأَنَّ هذه الرَكائبَ تَعْرِفُ قُدومَها عَلَى النَّبِيِّ، فَلا تَشْعثرُ بِالتَّعَبِ.
الدَّهْناء: الصَّحْراء التي لا تَرَى الْعَيْنُ لَها نِهايَةٌ.
الْإرْقالُ: نَوْعٌ مِنَ الْعَدْوِ وَالْجَرْيِ. وقد وَرَدَ في شِعْرِ طَرَفَةَ بنِ العبد يَصِفُ ناقَتَه: من الطَّويل
وَإنَّي لَأُمْضِي الْهَمَّ عِنْ احْتِضارِهِ
بِعَوْجاءَ مِرْقالِ تَروحُ وَتَغْتَدِي
الْكُماةُ: جَمْعُ الْكَمِيِّ وهوَ الشُّجاعُ المُتَغَطِّي بِدِرْعِهِ، وسائِرِ الأَسْلِحَةِ.
تَتَلالا: أَصْلُها تَتَلَأْلَأُ. أَسقطَ الهمزتين ضَرورَةً.
العَواس: الصَّيْقل. وَأَوْجَلَ أَخافَ.
قولُ الرسول: تَأَخَّرَبكَ... المَوْعِدُ: الظّاهِرُ أنِّ الرسول استبْطَأ إسلامَهُ الذي وَقَعَ في سنَةِ عَشْرٍ، وكانتِ الوفودُ في سنَةِ تِسْعٍ.
وَصْفَكَ في الإنْجِيل: يَقْصِدُ الآيةَ الكريمَةَ: (وَمُبَشِّرًا بِرَسولٍ مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire