«أَوَّلَى عَلَامَاتِ الشَّيْخُوخَةِ، أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ إِنْسَانٍ يَحْلُمُ إِلَى إِنْسَانٍ يَتَذَكَّرُ.»
أنطون تشيخوف
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
حَتَّى فِي أَحْلَامِي لَمْ أَكُنْ مُهِمًّا...!!.
يَجْلِسُ فِي صَدْرِ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، مُحَاطًا بِأَحْفَادٍ لَا يَكُفُّونَ عَنِ الحَرَكَةِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ اخْتَارَ أَنْ يَرْكُضَ حَوْلَهُ بَعْدَمَا أَنْهَكَهُ الرَّكْضُ فِيهِ.
يُمْسِكُ أَلْبُومًا قَدِيمًا، جِلْدُهُ مُتَآكِلٌ عِنْدَ الحَوَافِّ، كَأَنَّهُ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
يَفْتَحُ الصَّفْحَةَ الأُولَى…
شَابٌّ نَحِيلٌ، بِعَيْنَيْنِ تَشْتَعِلَانِ.
يَبْتَسِمُ.
"هَذَا أَنَا… يَوْمَ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ العَالَمَ يَنْتَظِرُنِي."
يُقَلِّبُ الصَّفْحَةَ.
صُورَةٌ فِي تَظَاهُرَةٍ، يَدُهُ مَرْفُوعَةٌ، وَصَوْتُهُ يَكَادُ يُسْمَعُ مِنْ بَيْنِ الأَلْوَانِ البَاهِتَةِ.
يَهْمِسُ: "كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُغَيِّرَ العَالَمَ… أَنْ أَقْتَلِعَ الظُّلْمَ مِنْ جُذُورِهِ."
أَحَدُ الأَحْفَادِ يَقْتَرِبُ:
"هَلْ نَجَحْتَ يَا جَدِّي؟"
يَتَوَقَّفُ إِصْبَعُهُ عِنْدَ حَافَّةِ الصُّورَةِ…
لَا يُجِيبُ.
يُقَلِّبُ الصَّفْحَةَ.
صُورَةٌ مَعَ أَصْدِقَاءٍ غَابُوا، وَبَعْضُهُمْ رَحَلَ، وَبَعْضُهُمْ اخْتَارَ أَنْ يَنْسَى.
ثُمَّ صُورَةٌ لِقَاعَةٍ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِيهَا عَنِ الفَقْرِ، عَنِ الجَهْلِ، عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ حَيَاةً تَلِيقُ بِهِ.
تَلْمَعُ عَيْنَاهُ… لَا مِنَ الفَخْرِ، بَلْ مِنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ الاِعْتِرَافَ المُؤَجَّلَ.
"كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ… وَأَنَّنِي أَمْلِكُ وَقْتًا كَافِيًا."
يَسْأَلُهُ حَفِيدٌ آخَرُ، بِبَرَاءَةٍ قَاسِيَةٍ:
"وَلِمَاذَا لَمْ تُغَيِّرِ العَالَمَ؟"
يَبْتَسِمُ… ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً، بِالكَادِ تُرَى.
ثُمَّ يُغْلِقُ الأَلْبُومَ بِبُطْءٍ.
"لِأَنَّ العَالَمَ… كَانَ أَسْرَعَ مِنْ أَحْلَامِي."
يَصْمُتُ الجَمِيعُ لَحْظَةً.
يَنْهَضُ بِصُعُوبَةٍ، يَضَعُ الأَلْبُومَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ المُرْتَجِفَةِ نَحْوَ النَّافِذَةِ.
فِي الخَارِجِ، أَطْفَالٌ آخَرُونَ يَلْعَبُونَ… يَرْكُضُونَ… يَسْقُطُونَ… ثُمَّ يَنْهَضُونَ.
يَقُولُ بِهُدُوءٍ:
"كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ… سَيَحْمِلُ أَلْبُومًا مِثْلِي يَوْمًا مَا."
يَتَبَادَلُونَ النَّظَرَاتِ، دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا.
يَمْشِي نَحْوَ غُرْفَتِهِ، خُطُوَاتُهُ خَفِيفَةٌ كَأَنَّهَا تَعْتَذِرُ لِلأَرْضِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَخْتَفِي، يُضِيفُ بِصَوْتٍ يَكَادُ يُسْمَعُ:
"الفَرْقُ الوَحِيدُ…
أَنَّنِي قَضَيْتُ عُمْرِي أُحَاوِلُ تَغْيِيرَ العَالَمِ،
بَيْنَمَا كَانَ العَالَمُ مَشْغُولًا…
بِتَغْيِيرِ صُورَتِي فِي الأَلْبُومِ… مِنْ ثَائِرٍ،
إِلَى ذِكْرَى…
تُـمَرَّرُ بِالأَصَابِعِ، ثُمَّ يُقَالُ بَعْدَهَا:
رَحِمَهُ الله… كَانَ يَحْلُمُ كَثِيرًا."
يصمت قليلاً… ثم تخرج الجملة الأخيرة كأنها لا تخصه بل تخص العمر كله:
"حَتَّى فِي أَحْلَامِي لَمْ أَكُنْ مُهِمًّا."...!!.
بقلمي
القاص
القاهرة
14.مايو.مايس.2026م.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire