dimanche 10 mai 2026

صَرخةٌ في الميدان.. وعَقْلٌ وراء الحِجاب ***بقلم: د. جمال جبارة

ركن الإبداع والأدب
مكتب الكويت
بعنوان:
صَرخةٌ في الميدان.. وعَقْلٌ وراء الحِجاب
بقلم:
          د. جمال جبارة
الإعلامي والكاتب المصري

كان الزحامُ يملأ الميدان، والأصواتُ تتعالى كأمواجِ بحرٍ هائج. فجأة.. ساد صمتٌ ثقيل قطعته صرخةٌ عبر "الميكروفون" هزت أركان الشارع. وقف ذاك المتحدث، بوجهٍ محتقنٍ وعينين تلمعانِ بحدة وصوتٍ جهوري، ليلقي قنبلته المعتادة وسط الجمهور الغفير :
"يا معشر الرجال.. احذروا، فإن المرأةَ ناقصةُ عقلٍ ودين!"
تردد صدى الكلمة في الأبنية العتيقة، كأنها حكمٌ بالإعدام على نصفِ الوجود وأجمله بلا نزاع. صفق البعض بجهل، وانحنى البعض برؤوسهم كالنعام، بينما كانت العيونُ تترقب انفجاراً لا يعلم أحدٌ من أين سيأتي.
من وسط الحشود، ومن خلفِ زحام الوجوه المتعبة، تقدمت امرأةٌ عجوز، تستندُ إلى عصاها كأنها تستندُ إلى تاريخٍ من الكبرياء والحياء. لم تقاطعه، بل وقفت أمامه مباشرة، في تلك الدائرة الضيقة التي صنعها الذهول.
خفت صوت الميكروفون، وانحبست الأنفاس، وأشارت تلوح بعصاها. نظر إليها الخطيبُ باستعلاء، منتظراً منها اعتراضاً أو نحيباً، لكنها فعلت ما هو أدهى؛ سألته بصوتٍ هادئٍ اخترق الضجيج كأنه نصلُ سكينٍ يغوص في الحرير ،
"يا شيخنا.. هل هذا العقلُ الناقص هو الذي حملك وهنًا على وهن في أحشائه؟ وهل ذاك الدين الناقص هو الذي أراد الله أن يجعل الجنة طوعاً تحت أقدام صاحباته؟"
ارتبك الخطيب، وتلعثمت الكلمات في حنجرته. كان الجمهورُ يراقبُ المعركة: رجلٌ يملكُ الصراخ، وامرأةٌ تملكُ الحكمة والحقيقة.
لقد أدرك الحاضرون في تلك اللحظة أن "النقص" لم يكن يوماً في تكوين المرأة بيولوجياً، بل في "عُقمِ الفكر" الذي يقتطعُ النصوص من سياقها ليزرعَ التفرقة. المرأة التي تقودُ البيوت في غياب الرجال، وتداوي الجراح وقت المحن والغزوات والحروب، وتصنعُ العلماء بالمثابرة والجد والتعب والسهر، لا يمكن أن تكون "ناقصة". إنها الروح التي تمنحُ العقلَ اتزانه، وللدينِ جوهره.
انسحبت السيدة بهدوء كما ظهرت، تاركةً الميدان في ذهولٍ تام. أدرك الجميع أن الميكروفون قد ينقلُ الصوت، لكنه استحال أن يصنع الحقيقة.
الحقيقة هي أننا نعيش في عالمٍ لا يمشي إلا بساقين، ولا يبصر إلا بعينين. المرأة ليست نقصاً يُجبر، بل هي كمالٌ يُبهر. ومن أراد أن يقيس عقلها بجنسها، فقد أثبت أن النقص في "عقلهِ" هو، لا في فكرها.
لأن الحقّ لا يتجزأ.. والكرامة لا تقبل القسمة على اثنين.
د. جمال جبارة | القاهرة

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire