mardi 12 mai 2026

الرجل الذي عرفته من قلمه..
لم أكن أذكر أنني عرفته يوما، ولم يسبق أن التقيت به في زقاق من أزقة بغداد، ولا في مرحلة من مراحل الدراسة، ولا حتى في مناسبة عابرة تختبئ في ذاكرة الأيام، لكنه ظهر أمامي فجأة، كأن الحياة كانت تؤجل هذا اللقاء منذ زمن بعيد.
بدأ الأمر حين وقعت عيناي على قصته سيرة وذكريات، كانت الكلمات بسيطة، لكنها تحمل شيئا يشبه الندوب القديمة، صدقا لا يمكن تزويره، وما إن بدأت القراءة حتى شعرت بأنني لا أقرأ حروفا، بل أعبر بابا خفيا إلى عالم أعرفه جيدا، عالم يشبه التعب الذي يسكن الأرواح حين تعركها الحياة طويلا.
شيئا فشيئا اختفى كل ما حولي، أصبحت أعيش داخل قصته، أرى الأمكنة بعينيه، وأسمع ارتطام وحدته بجدران المدن البعيدة، وحين انتهيت، بقي في داخلي شعور غريب، يشبه الحنين إلى شخص لم ألتقه من قبل.
دفعتني تلك الرغبة إلى البحث عنه، دخلت إلى صفحته في مواقع التواصل، وبدأت أتصفح قصصه وكتاباته، قرأت شجرة آدم، الذاكرة تمشي على أرصفة الرصيف، تجربة موت غريبة، سارة التي ماتت مرتين، حكاية فندق الصباح، سيرة وجع لا يهدأ، وعشرات القصص الأخرى، وكان كل نص يفتح نافذة جديدة على حياة قاسية، حياة رجل لم تقرأه الكتب، بل كتبته الطرق الطويلة والمنافي والجوع والحرمان.
عرفت أنه في سنوات دراسته الجامعية قال له أبوه ذات يوم إنه لا يرغب ببقائه في البيت، حمل حقيبته بصمت وخرج إلى المجهول، كأن المدينة كلها أغلقت أبوابها في وجهه دفعة واحدة.
كان يسكن قرب كليته في فندق متواضع، لكنه لم يكن يملك أجرة الغرفة، فكان ينتظر حتى ينام صاحب الفندق، ثم يصعد ليلا إلى سطح البناية، يفترش السماء ويلتحف برد الليل، ويبقى هناك حتى الفجر، قبل أن ينزل خلسة مع أول خيط من النهار كي لا يراه أحد.
كنت أتخيله وهو يضع جسده النحيل فوق الإسمنت البارد، بينما بغداد نائمة لا تدري أن أحد أبنائها يقاتل وحده كي يبقى حيا.
استمر الحال هكذا مدة طويلة، حتى استطاع أن يرتب أمره في القسم الداخلي للكلية، وعمل في أكثر من وظيفة لينفق على نفسه ويكمل دراسته، بعدما تخلى عنه أقرب الناس إليه.
لكن روحه لم تعد قادرة على البقاء في المكان ذاته، قرر الرحيل، أن يودع العالم الذي لم يألفه يوما، ولم يألفه العالم.
بدأت رحلته من الأردن، ثم سوريا، ثم تركيا، وبعدها تنقل بين دول كثيرة كغريب يحمل وطنه في حقيبة صغيرة.
وفي البحر كان الموت يرافقه مثل ظل ثقيل، ركب قوارب الهجرة التي تشبه توابيت عائمة، ورأى الأمواج وهي تفتح فمها كوحش يريد ابتلاع الجميع، وكان يهرب من حدود إلى أخرى، ومن نفسه إلى نفسه، ومن موت إلى موت، حتى وصل أخيرا إلى أستراليا، البلد الذي كان يراه في خياله كنجمة بعيدة لا تطال.
كل ما كتبه لم يكن خيالا، ولم يكن محاولة لصناعة الدهشة، كان يكتب حياته كما عاشها، بمرارتها، وانكساراتها، وصدقها العاري، ولهذا كانت كلماته تدخل القلب مباشرة، كأنها تعرف الطريق إليه منذ زمن.
بعد أيام من القراءة، شعرت برغبة شديدة في الحديث معه، كنت أظنه ما يزال في العراق، فأرسلت له رسالة عبر الماسنجر، جاءني الرد سريعا أرسلت لك رقمي.
نظرت إلى الرقم باستغراب، ثم قلت له هذا الرقم ليس عراقيا.
فأجاب: "أخي... أنا في أستراليا.
سألته كيف يمكنني الاتصال به عبر الواتساب، فقال أرسل رقمك وأنا سأتصل بك.
وبالفعل، بعد دقائق رن الهاتف.
كان صوته هادئا، لكنه يحمل تعب مسافات طويلة، أخبرته بسعادتي الكبيرة بهذه المكالمة، فقال لي جملة ما زالت عالقة في ذاكرتي
أشعر وكأنني أعرفك منذ زمن.
ومنذ ذلك اليوم صار الحديث بيننا يمتد في أوقات الفراغ، يوما بعد يوم، حتى تجاوز الشهر، وكنت كلما تحدثت معه أشعر أن بعض الناس لا تجمعنا بهم الصدفة فقط، بل تجمعنا أرواح تعبت بالطريقة نفسها، وعبرت الحياة بالوجع ذاته.
وكان ذلك الصديق هو... حمزة.
محمد الدراجي
٢٠٢٦/٥/١١

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire