«بضفّتَين منّي أنا»
قصيدة للشاعر طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 17.05.2026
―――
يغمزني النهرُ لأرى أسماكَهُ،
فخورةً بألوانِ زعانفِها
وخِفَّةِ الدمِ في الأفواه.
والنهرُ يفتخرُ بأنَّهُ حاضنُها،
يجري بها… فتتبعه.
أغسلُ وجهي،
وأستحضرُ صورةً للكلام،
لالتفاتةٍ تليقُ بغمزةِ الوداد.
ما أبشعَ أن أتلعثم،
وفي لحظاتٍ أرى كياني
يجري مع النهر،
وأتصفّحُ عقلي…
ولا أعثرُ على بحرٍ يشبهُ النهر.
أهتزُّ فرحًا،
كأنني أعثرُ عليَّ أخيرًا.
سأعيشُ مع الذي لم أظنَّهُ منّي،
وأبالغُ في الكينونة.
لستُ ماءً ولا زعانف،
ورحلتي في البحر
ستكونُ مغامرةَ الفناء.
يا نهرُ، لا تُمِلْ عليَّ حكمةً.
لكَ محرابُكَ في مجراك،
ولي ألفُ طريق.
لم تمشِ معي إلى الكهف،
وإنّي أرى صعودَ الجبلِ رؤيا،
وقطفَ الثمارِ وداعًا للفصول.
فلا تطلبْ منّي وعدًا،
ولا تغيّرًا،
فالهلاكُ يمنحني هديّتَهُ باليقين.
وفيكَ يا نهرُ
سمكةٌ لا تُرى… لكنها تُحسّ.
تعرفُ أين يختبئ المساء،
وأين ينامُ من تعب.
تقفُ ضدَّ التيار،
كأنها تحفظُ سرًّا… لا ينجو بالكلام.
وتلمعُ في العتمة،
كأنها آخرُ ما تبقّى
من يقينٍ قديم.
لا تُصفّقُ لأسماكِكَ الفخورة،
ولا تلمعُ مع زعانفِها.
وكأنَّ لكَ روحًا،
كلما مررتَ بها
أشعلتْ فيكَ سعادتَكَ.
كأنها تهمسُ لك:
لستَ طريقًا…
بل اختبارُ تعبٍ طويل،
والضفّتان تحميانك من أن تنزلق
وتصيرَ مرآةً للسراب.
كُنْ نهرًا يجري،
فالسعادةُ تمسكُ بكَ
من النبعِ حتى المصبّ.
لستَ وحدكَ
المحصورَ بين ضفّتَين.
وأنا أيضًا
في أرجوحةٍ
حبلُها يغار،
وغصنُها غاضب،
وأعيش… ما دمتَ تجري.
يا نهرُ،
سيأتيكَ سيلٌ فيه حطامُ خشبٍ وحجر،
وجثّةُ يعسوبٍ لفظَها الهولُ.
غير أنّي…
أنا أصرخُ
من مطرٍ أهوج،
ومن سيلٍ لا يدركُ طريقَه،
ومن وحلٍ يسكبُني،
ومن أشياءَ… تتكاثر،
لو قلتُها كلَّها
لشقّتْ نبعًا،
وجرتْ مثلَك،
بلا أسماك،
وبضفّتَين منّي أنا.
دريسدن – طاهر عرابي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire