الورد اليابس
الإنسان لا يعلم متى يغادر هذه الدنيا،
ولا يعلم مَن سيفارقه أولًا.
هي حكمة الله؛
فلو عرفنا مواعيد الرحيل،
لارتبكت القلوب،
ولما عشنا الحياة كما ينبغي.
على الطاولة،
مزهرية صغيرة
أضع فيها ورودًا يابسة،
كانت قد أهدتني إياها
قبل رحيلها.
أحتفظ بها
كما أحتفظ بأشياء كثيرة
لا أعرف لماذا:
شموع برائحة الخزامى،
وأحجار صغيرة
جمعتها يومًا من شاطئ البحر الميت،
حين زرت الأردن،
وكانت أريحا وتلال القدس
تلوح من بعيد.
ربما يراني البعض غريبًا،
لكنني أؤمن
أن الأشياء لا تبقى لنا،
وأن ما يبقى حقًا
هو الذكرى.
وأيّ ذكرى
حين تكون تلك الورود
قرنفلات خمرية،
يعيدني لونها
إلى الغداء الأخير
الذي جمعنا
قبل رحيلها بيوم واحد.
يومها هممت بالمغادرة
إلى منزلي في سعدنايل،
لكنها أصرت
أن تعصر لي البرتقال بيديها،
وأن أجلس قليلًا.
كأنها كانت تعرف
أن ذلك الكوب
سيكون الوداع الأخير.
كانت تشبه الخزامى:
هادئة، دافئة،
تفوح منها الطيبة
ويحيط بها الحنان.
عند الثالثة صباحًا
رنّ الهاتف.
كان زوجها.
صوته مرتبك:
نحن في المستشفى…
الطوارئ يعملون عليها،
لكنها لا تستجيب.
كنت بين النوم واليقظة،
لا أفهم ما يُقال،
ثم بدأت الاتصالات تتوالى
من كل الجهات.
نهضت مذعورًا،
أدور في البيت
حاملًا ثيابي،
ولا أعرف كيف أرتديها،
ولا كيف خرجت،
ولا كيف قدت السيارة
أربعين كيلومترًا
حتى وصلت إلى مستشفى 'دار الأمل' في بعلبك.
هناك…
كان شيء غريب في المكان.
هدوء ثقيل،
وصمت لا يُطمئن.
سألتهم:
أين هي؟
وأين أهلها؟
فقالت لي الممرضة
ببساطة قاسية:
هي في البراد…
أعطتك عمرها،
وأهلها عادوا إلى البيت
ليعودوا صباحًا.
كيف يموت النارنج؟
كيف يذبل الياسمين؟
وكيف تنطفئ
القرنفلات الخمرية؟
كانت بلسمًا،
وكانت تحمل من الطيبة
ما يكفي قلبًا متعبًا مثلي.
وكانت أختي…
لكنها لم تكن أختًا فقط.
كانت ظهري،
صوتي حين أصمت،
وجهي حين أنكسر.
كانت جريئة،
تواجه،
تنتصر لي،
ولا تهادن.
واليوم،
أجلس أمام قهوتي،
وأمام وردها اليابس،
أراها في كل شيء،
في الرائحة،
في الصمت،
وفي هذا الفراغ
الذي تركته خلفها.
ألمس الورد
كأنني ألمس يدها،
وأفكر:
كم تبدو الحياة
نكتة هزيلة
حين يأخذ الموت
أجمل الذين فينا.
حسين عبدالله جمعة - لبنان
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire