samedi 25 avril 2026

الثقافة حين تختزل في ديكور بلامعنى !! *** 🖊 الأديب علي سيف الرعيني

الثقافة حين تختزل في ديكور بلامعنى !!

علي سيف الرعيني 

بما ان الثقافة روح حيّة تسري في تفاصيل الإنسان، وتشكّل منظومته القيمية والجمالية فهي ايضا ذلك الفضاء الرحب الذي تتلاقى فيه معاني العدالة مع حسّ الجمال ويتجاور فيه الإبداع مع التسامح، لتُنتج في النهاية إنساناً أكثر وعياً بذاته وأكثر قدرة على فهم الآخر
الثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد إنتاج أدبي أو فني، بل هي منظومة متكاملة من القيم والأفكار التي تمنح الحياة معناها الإنساني. ومن هنا، فإن أي محاولة لاختزالها أو توظيفها خارج سياقها الطبيعي، تُعدّ انتهاكاً لجوهرها قبل أن تكون تحريفاً لوظيفتها
غير أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد الثقافة لا يأتي من الخارج بقدر ما ينبع من داخلها، حين تُستدرج إلى ميادين السياسة الضيقة، وتُحمّل ما لا تحتمل من أدوار دعائية. فتسييس الثقافة لا يعني فقط توجيهها لخدمة خطاب معين، بل يعني في حقيقته تجريدها من حريتها، وتحويلها من أفق مفتوح إلى قفص أيديولوجي
وعندما يحدث ذلك، تفقد الثقافة قدرتها على النقد، وتتحول إلى أداة تبرير، ويغدو المثقف ـ في أسوأ الأحوال ـ مجرد صدى للسلطة، لا صوتاً للحقيقة. وهنا، لا تعود الثقافة فضاءً للإبداع، بل تصبح مسرحاً لطقوس التمجيد، حيث تصطفّ جوقات المدّاحين، وتعلو أصوات المصفقين، في مشهد يُفرغ المعنى من محتواه، ويستبدل القيمة بالولاء
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأنظمة الشمولية، رغم ما تملكه من أدوات القهر والسيطرة، فشلت في استقطاب العقول الحرة والأصوات الأصيلة. ذلك أن الإبداع الحقيقي لا ينمو في بيئة الخوف ولا يزدهر تحت سقف الرقابة، بل يحتاج إلى فضاء من الحرية وإلى مناخ يُشجّع الاختلاف لا يُجرّمه
فالمفكر الحقيقي لا يُشترى والأديب الأصيل لا يُؤدلج، والفنان المبدع لا يتحوّل إلى بوق دعائي لأن جوهر الإبداع يقوم على الحرية وعلى القدرة الدائمة على مساءلة الواقع لا تبريره. ولهذا، فإن كل محاولة لتطويع الثقافة أو إخضاعها، إنما هي محاولة لقتل روحها، أو في أفضل الأحوال، تسميمها تدريجياً حتى تفقد تأثيرها الحقيقي
وفي السياق العربي، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح، حيث تعاني الثقافة في كثير من الأحيان من ازدواجية قاتلة فهي من جهة تُرفع كشعار، ومن جهة أخرى تُقيّد كممارسة. تُحتفى بها في الخطاب، وتُحاصر في الواقع، فتغدو مجرد واجهة تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية، دون أن يُسمح لها بأن تؤدي دورها النقدي والتنويري
إن إنقاذ الثقافة من هذا المأزق لا يكون برفع الشعارات، بل بإعادة الاعتبار لوظيفتها الأساسية كقوة ناعمة مستقلة، قادرة على بناء الإنسان قبل أي شيء آخر. ثقافة تُنتج الأسئلة لا الأجوبة الجاهزة، وتفتح آفاق التفكير بدلاً من إغلاقها، وتُعلي من قيمة الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة
وبالثقافة حين تكون حرة يكون قد تحقق أهم شروط النهوض الحضاري لأنها وحدها القادرة على إعادة تشكيل الوعي، وترسيخ قيم الجمال والعدالة والتسامح. أما حين تُسيّس، فإنها لا تفقد دورها فحسب، بل تتحول إلى عبء على المجتمع، وإلى أداة تُستخدم لتكريس الرداءة بدل مقاومتها
وبين ثقافة تُنير الطريق، وأخرى تُستخدم لتزيينه تتحدد ملامح المستقبل. فإما أن ننتصر للثقافة بوصفها روحاً حرة أونتركها تُختزل في ديكور بلا معنى !!

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire