مقام الاحتراق ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
في مقامٍ لا يُغادره صاحبه..
كانت النار قد تعلّمت الصمت.
جلس أمام هاتفه طويلًا، يتأمل اسمها،كأنّه ينظر في مرآةٍ قديمة يرى فيها وجهًا لم يعد يعرفه.
لم يحذف الرقم..
ولم يتجرأ على الاتصال.
تركه هناك، كجمرٍ صغير،
يخشى أن يلمسه.. ويخشى أكثر أن يبرد.
كان قد قرر الرحيل يومًا.
قرارٌ بدا عاقلًا، نظيفًا، ومثاليًا إلى حدّ الألم.
قال لنفسه:
"سأنجو.. وسينجو الجميع."
لكنه اكتشف لاحقًا..
أن النجاة لا تعني الحياة.
- في بيته، كل شيء في مكانه.الستارة كما هي، الفنجان نفسه، وصوت زوجته الذي يعرفه منذ سنوات — يملأ الفراغ بأحاديث يومية لا تنتهي،عن أشياءٍ عاشها معها..ولم يعد يشعر بها.
كان يسمع مجبرا.. دون أن يُصغي.
يرد.. دون أن يشعر.
يعيش.. دون أن يكون.
لم يكن تعيسًا بما يكفي ليهرب،ولا سعيدًا بما يكفي ليبقى.
كان فقط.. معلقًا.
في إحدى الليالي، عاد متأخرًا.
وجدها نائمة على الأريكة،التلفاز يهمس بضوءٍ باهت،وكوب الشاي قد برد بين يديها.
كان رأسها مائلًا كأنها قاومت النوم طويلًا.. ثم استسلمت.
اقترب ليوقظها.. ثم توقّف.
لم يشأ أن يقطع هذا السلام القليل الذي حصلت عليه..دونه.مدّ يده ليأخذ الكوب،فانتبه إلى أصابعها..كانت ممسكة به كأنها تخشى أن يسقط منها شيء آخر.في تلك اللحظة، لم يرَ زوجته فقط..رأى السنوات التي لم تغادر،
رأى خوفها الذي لم تعرف كيف تخفيه،ورأى نفسه.. كما كان يوم أحبّها أول مرة.
غطّاها بهدوء، وأطفأ التلفاز.ثم جلس بعيدًا قليلًا..كأن المسافة بينهما
لم تعد جفاءً..بل أمانًا.
- حين عادت إليه الأخري برسالة بعد شهور،لم تكن مفاجأة.
كانت وكأنها كانت تسير نحوه منذ زمن،فقط تأخرت قليلًا.
لم تكن الرسالة سؤالًا هذه المرة.
كانت قصيدة.
عنوانها: "إنت فين؟"
قرأ السطر الأول.. فتوقّف.كأن الكلمات لم تكن تُكتب.. بل تُستخرج منه. أعاد قراءتها.
مرة.. ثم أخرى.. ثم دون أن يعدّ. لم تكن تبحث عنه في مكان،بل في ذلك الذي ضاع منه.
كل جملة كانت تقترب أكثرمن شيءٍ أخفاه طويلًا.. حتى عن نفسه.
شعر فجأة أنه ليس من يقرأ..بل من يُقرأ.هي التي لم تعِش معه،لكنها عرفته أكثر مما عاش.
أغلق الهاتف.
ثم فتحه من جديد.كأن إغلاقه خيانة..وفتحه ضعف.
في تلك اللحظة، لم يشتق إليها فقط..
اشتاق لنفسه، كما كان حين عرفها.
- كانت لا تسأله عن يومه، بل تقرأ بل لم يستطع أن يقوله .
لم يرد فورًا.
ترك الرسالة دقائق.. ثم ساعات..كأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة للثبات.
ثم كتب:
"الحمد لله.. بحاول ؟"
هي لم تكن بعيدة..
كانت فقط لا تُرى.
في كل مرة يظن أنه نجا، كانت تعود — لا كصوت، بل كإحساسٍ خافت،كأن أحدًا يناديه من داخله باسمه الحقيقي ..الاسم الذي لا يعرفه أحد.
لم تكن تسأله: "مالك؟"
كانت تعرف.تعرف من سكوته،من طريقته في كتابة النقطة آخر الجملة،
من زمن الرد.. لا من الرد نفسه.
كأنها لم تكن تقرأ كلماته..
بل تقرأه هو.
لم يعودا كما كانا.
صار الحديث حذرًا،
والكلمات تمشي على أطرافها، والصمت أطول من اللازم.لكن تحت هذا الحذر..كان هناك شيء حيّ..ينبض.. ويتنفس.. ويطلب أكثر. وكانا يعرفان..أن كل خطوة تقرّبهي في الحقيقة..
إعادة إشعال لما قررا دفنه.
في إحدى الليالي، سألته:
— "أمازلت معي؟"
نظر إلى السؤال طويلًا.
لم يكن بسيطًا كما يبدو.
كتب.. ثم مسح.
فكّر.. ثم تراجع.
ثم توقفت إصبعه فوق زر الإرسال،وارتجفت الحقيقة داخله أكثر من يده.
وأخيرًا كتب:
— "بحاول."
لم تسأله أكثر.
هي تعرف أن "بحاول"..
تعني أشياء كثيرة،
لكنها لا تعني أبدًا.. "نعم".
كان يظن أن البعد قرار.
ثم اكتشف أنه حالة.
وأن القرب ليس لقاءً..
بل اعتراف.
وهو.. لم يعترف.
لا لنفسه،ولا لها،ولا لتلك الحياة التي يعيشها بنصف قلب.
في صباحٍ غائم، جلس وحده.فتح المحادثة.
قرأ الرسائل القديمة..
ضحكاتٍ مكتوبة،أسئلة مؤجلة،ومشاعر لم تجد طريقها للنهاية.
أدرك فجأة..
أنه لم يبتعد يومًا.هو فقط..
نقل النار من يده.. إلى صدره.
أغلق الهاتف.
هذه المرة.. لم يكتب.
لم يترك بابًا مواربًا،ولم ينتظر فرصة أخرى.
فهم أخيرًا..
أن بعض العلاقات لا تموت لأنها انتهت،بل لأنها لو عاشت..
أحرقت كل شيء.
وفي مكانٍ ما بداخله،
كانت النار لا تزال موجودة..لكنها، لأول مرة،لم تعد تبحث عن هواء.تركها.. تخفت.
تتحول إلى رماد.
وربما..إلى سلامٍ لا يشبه الحب، لكنه.. لا يكسِر أحدًا.
طارق الحلوانى
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire