الطابق المستحيل
في المصعدِ الذي يصعدُ إلى الطابقِ المستحيل،
نسيتُ ظلِّي عند الباب،
يحرسُ صمتي
كحارسِ متحفٍ
أُغلِقتْ فيه العصور،
وبقي الضوءُ
يتجوَّلُ وحده.
صعدتُ،
لا كجسدٍ،
بل كفكرةٍ أفلتتْ من اسمها،
وكانت الحياةُ في الأعلى
تبدِّلُ أقنعتَها
وتزعمُ، في كلِّ مرَّةٍ،
أنها الحقيقة.
في الردهة،
كانت الساعاتُ
آلاتَ مضغٍ للزمن،
وكانت المرايا
دوائرَ استجوابٍ باردةً
تسألُ وجهي:
من أرسلكَ إلى هذا المعنى؟
ولماذا تبدو
كأنك خرجتَ من انهيارٍ داخليٍّ
بأناقةٍ مشبوهة؟
أنا لستُ واحدًا.
أنا ازدحامُ نُسخٍ مؤجَّلة،
أنا احتمالاتٌ كثيرة
تتقاسمُ معطفًا واحدًا
وتخرجُ به إلى العالم
كأنها شخصٌ.
كلَّ صباحٍ
أفتحُ النافذة،
فتدخلُ مدينةٌ مصغَّرةٌ
ما تزالُ ترمِّمُ ضجيجها،
وتعلِّقُ على شرفتي
إعلاناتٍ عن آلهةٍ عابرة،
مصنوعةٍ من النيون،
والخوف،
وبياناتِ الوحدة.
أصدقائي
تبعثروا في هيئاتٍ لا تُصافَح:
بعضُهم صار إشعارًا
يظهرُ ويختفي
كضميرٍ متقطِّع،
وبعضُهم استلقى
في الأدراجِ الخلفيَّةِ للذاكرة،
وواحدٌ منهم
استحالَ سؤالًا هائلًا
يمشي خلفي
ويلتهمُ من جوعي
كلّما حاولتُ أن أمنحَه اسمًا.
كانت أمِّي تقول:
الحقيقةُ خبزٌ،
فكُلْها ساخنةً
قبل أن تتعلَّمَ البرودة.
لكنني أخَّرتُ الحقيقة
حتى دخلتِ الثلَّاجة
كأيِّ ندمٍ مهذَّب،
وحين أخرجتُها
وجدتُها مغطَّاةً
بعفنِ الحكمة،
وتضحكُ من فمي
الذي تأخَّر طويلًا
عن الجوع.
في المقهى،
جلستُ قبالةَ فيلسوفٍ بلا رأس،
كان يفكِّرُ من ركبتيه،
كما لو أن العقلَ
عضوٌ يمكن نقله
من موضعٍ إلى آخر.
قال لي:
الهويةُ زلَّةٌ لغويَّة
وقعتْ فيها الروح
حين حاولتْ أن تترجمَ لا نهائيَّتها
بفمِ الجسد.
ثم انحنى على قهوته
واختفى في الفنجان
مثل تأمُّلٍ عميق
نسيَ طريقَ الرجوع.
ومنذ ذلك الصباح،
أخذتُ أشكُّ
أن الوجودَ ليس مأساةً
ولا معجزة،
بل بروفةً كونيَّة
تضيعُ فيها النصوص،
فتضطرُّ الكائناتُ
إلى ارتجالِ هشاشتها
ثم تسميةِ ذلك:
نضجًا.
مررتُ بسوقٍ
للخواتيمِ المستعملة،
وكان الباعةُ يلوِّحون
بنهاياتٍ شبهِ جديدة،
تصلحُ لعاشقٍ مكسور
أو لفكرةٍ هرمتْ قبل أوانها.
اشتريتُ نهايةً زرقاء،
فيها قليلٌ من البحر
وقليلٌ من الفراغ،
وضعتُها تحت وسادتي،
فصارتْ أحلامي
تمشي حافيةً
فوق أسلاكِ الكهرباء،
وتضحكُ
كلّما صُعِقتْ.
ثم أحببتُ.
ولم يكن الحبُّ
ورودًا
ولا استعاراتٍ مطيعة،
بل تصادمَ مجرَّتَين
في ممرٍّ لغويٍّ ضيِّق.
رأيتُ قلبي
واقفًا عند الإشارة
يشعلُ غيابَه بيديه،
ورأيتُ فمي
يعتذرُ للقبلة
لأنه جاء
متأخِّرًا بألفِ فكرة
وعمرٍ من التردُّد.
من قال
إن الإنسانَ شجرة؟
أنا أراه
مصعدًا متعطِّلًا
بين طابقين من الشكِّ،
يضيءُ زرُّه الأحمر
كلّما اقتربَ من يقين،
ويُطلقُ ذلك الطنينَ الخافت
الذي تسمِّيه الأرواحُ:
القلق.
حتى الموت
لا يبدو لي نهاية،
بل أمينَ أرشيفٍ
شديدَ التهذيب،
يرتِّبُ فوضانا
في ملفَّاتٍ نظيفة،
ويلصقُ على كلِّ اسمٍ
ملاحظةً صغيرة:
كان هذا الكائن
محاولةً جميلة
لفهمِ ما لا يُفهَم،
أو زلَّةً راقية
في دفترِ العدم.
وأنا الآن
لا أكتبُ قصيدة،
بل أركِّبُ جهازَ إنصاتٍ
في جوفِ الفراغ،
وأمدُّ أسلاكَه
إلى حفرةِ المعنى،
لعلِّي ألتقطُ
الذبذباتِ التي يخلِّفها اللامرئيُّ
حين يمرُّ
على تخومِ اللغة.
أفكِّر:
لعلَّنا لا نوجدُ كي نفهم،
بل كي نخسرَ أوهامَنا
ببطءٍ يكفي
لكي تبقى الدهشةُ حيَّة.
لعلَّ الزمنَ ليس طريقًا،
بل مشرحةً شفَّافة
نرى فيها
كيف تتبدَّلُ وجوهُنا
بين فكرةٍ وأخرى.
لذلك،
كلّما انكسرَ شيءٌ في داخلي
سمعتُ مجرَّةً بعيدةً
تصفِّقُ في الظلام،
وكلّما قلتُ: أنا،
تساقطَ من فمي
جمعٌ هائلٌ من الأصوات،
والكائنات،
والذكرياتِ التي لم أعشْها
لكنها عاشتني،
واستوطنَتني
كما تستوطنُ العاصفةُ
مبنًى مهجورًا
ثم تسمِّيه
وطنًا مؤقَّتًا.
هذه ليست قصيدة.
هذه عينٌ صناعيَّة
زرعتُها في خاصرةِ الفراغ
لأراقب
كيف يتركُ المطلقُ
أثرَه العابر
في هيئةِ سؤال.
وإذا سألتني:
من تكون؟
سأقول:
أنا الأثرُ الجانبيُّ
لحلمٍ قديم
أصاب فكرةً حديثةً بالحمَّى،
فاستيقظَ الكونُ
مرتبكًا،
وفي يده
وردةٌ إلكترونيَّة
تنزفُ ضوءًا
ولا تعرفُ كيف تموت.
عاشور مرواني
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire