كرامة بثمن بخس دراهم معدودة
بقلم نادية الويزي المغرب
في موسم الأصوات الذي يقام كل خمس سنوات تقام سوق البشرية، سوق لم يتحدث عنها ابن خلدون في مقدمته، ولم يصل إليها ابن بطوطة في رحالاته، كل الأشياء متاحة للبيع، دخلت إليها بدافع الفضول، لم أجد بضائعا، بل وجدت أشياء غريبة؛ كرامة مكسرة، ضمائر مقيدة، أصوات مخنوقة، عقول نيرة مهيأة للتصدير، ونزاهة مقطعة إلى شرائح منكهة بطعم الخيانة، ومبادئ تشوى على نار هادئة. في وسط السوق توجد قبة عالية يعجبك جمالها، تشد الناظر إليها، وسطها جلس تجار الجملة ببطونهم البارزة، وأمامهم وضعت صناديق مملوءة بالأصوات و أخرى مملوءة بالقطع النقدية التي تنبعث منها رائحة كريهة، لم أستطع تحملها، وبجانبهم ثعابين متربصة، رؤوسهم مليئة بالعيون، أنيابهم بارزة، مررت سريعا دون أن يروني، ثم وصلت الى مكان تباع فيه المقاعد المزخرفة برؤوس بشرية، والمطلية بطلاء جذاب يشد العين، ومزركشة ببعض حبات النزاهة، أمام كل مقعد يوجد صندوق أسود غامض، كتبت عليه عبارة " إرمي بشباك الوعود المغرية وستربح المقعد". واصلت السير لأقف عند أحد الباعة الذي عرض صوته وأصوات أبنائه الخمس للبيع، وقفت مندهشة غير مصدقة، ولساني عاجز عن الكلام.
فقال لي البائع : كم تريدين من صوت أيتها السيدة؟
فقلت له: أنا لا أشتري الأصوات.
فرد عليا: إذن لا تضيعي وقتي، كبير التجار قادم سأبيعه أصواتي.
فقلت له: هل جننت!؟ لا يمكن! صوتك هو كرامتك أيها السيد!
فضحك ضحكة مخيفة مملوءة بالسخرية ارتعدت لها فرائصي.
وقال: تقولين كرامة! كرامتي بعتها منذ زمن بعيد بثمن بخس دراهم معدودة، واشتريت بها حليبا لإبني الرضيع الذي ماتت أمه وهي تلده في تلك القرية البعيدة، الموجودة في اللامكان، والتي لا يصلها النور و تطور الزمان، حيث لا طريق، وما تبقى من تلك الدراهم اشتريت به كيس قمح لإخوته الجياع، هيا اذهبي دعيني أكمل صفقة البيعة، هذه فرصتي كبير التجار قادم. وبدأ ينادي على التاجر يا سيدي اشتري مني هذه الأصوات.
وقف التاجر ذو البطن البارزة مع حراسه وقال: عليك أن تنقص السعر فالسوق مملوءة بالأصوات.
فقلت للبائع: لا يمكنك أن تبيع صوتك وأصوات أبنائك، الصوت لا يباع.
فنظر إلي ذلك التاجر ذو الأيادي الطويلة وسأل حراسه: من تكون هذه المتطفلة؟
فأجبته: أنا الضمير الحي يا عديم الضمير.
فاشتد غضبه وأمر حراسه: هيا أمسكو هذه الغريبة سليطة اللسان وارموها خارج السوق.
فبادر رجاله بسرعة البرق، والتفت أياديهم التي تشبه الثعابين حولي، و أخذوني بالقوة وأنا أصرخ بأعلى صوت: الصوت لا يباع .. الصوت لا يباع .. والكرامة لا تباع...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire