جنة بلا طريق ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم يكن عاطلًا..كان فقط..بلا مكان.شهادته في حقيبة جلدية قديمة،يخرجها أحيانًا.. لا ليقرأها،بل ليتأكد أنها ما زالت هناك.كان يعرف شكل البيوت وهي تُسحب من أصحابها بعد الإفلاس،الأبواب وهي تُغلق ببطء .. والصوت الخافت.. لأشياء تُباع.لم تكن تلك أول مرة يرى السقوط..لكنها كانت أول مرة.. يقف خارج الباب.
بعد شهور من البحث..
لم يعد يسأل:
“هل يناسبني العمل؟”
صار يسأل فقط:
“هل سأعيش؟”
هكذا..صار حارسًا.لفيلا على أطراف المدينة..
هادئة أكثر مما ينبغي.
عند البوابة.. نبحت عليه الكلاب.تقدم.. وربت على رأس إحداها.فسكتت . ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:“كلنا هنا حراسة”
ثم سكت.. كأنه سمع نفسه لأول مرة.
غرفته صغيرة.. نظيفة.
سرير.. حمام.. هاتف..
أشياء.. عرفها في حياته السابقة.خارج الغرفة.. أشجار مثمرة،مرتبة أكثر من اللازم.. كأنها لا تنمو، بل تُدار.وفي الخلف.. بحيرة.ماء ساكن.. لا يخطئ.وقف لحظة:
“أين أنا؟” لم ينتظر إجابة.أعطته الخادمة طبقًا.نظر إليه.. ثم أعاده بهدوء:
“معايا أكلي.” في غرفته.. فتح علبته..ثم أغلقها.لم يكن جائعًا.
رن الهاتف.صوتها:
“ليه مش عايز تاخد العشا؟”
“عامل حسابي.”
سكتت لحظة.. ثم قالت:
“طب تعالى.” رآها.
لم يرَ ممثلة كما سمع..
رأى إنسانة..لكنها معتادة أن يُلبّى طلبها.قدمت له الطبق بنفسها.في عينيها شيء بين الفضول.. والاعتياد على السيطرة.
أخذه.وضعه أمامه.. ولم يأكل.هي أيضًا.. لم ترَ فيه حارسًا عاديًا.
مرت الأيام..وببطء.. بدأ وجوده يتجاوز البوابة.
صار يُسأل.. ثم يُستمع إليه.
في ليلة.. كانت تتحدث في الهاتف،صوتها مكسور بغياب مدير أعمالها.
توقفت فجأة أمامه:
“إنت بتقرا كتب وجرايد؟”هز رأسه.
مدّت له صفحة مطوية:
“بص.. هما كاتبين إيه؟”
قرأ..توقف قليلًا.. ثم قال:“فيه حاجة مش مظبوطة.. الكلام فيه تناقض. رفعت رأسها.
نظرت إليه.. كأنها تراه لأول مرة.من يومها..
لم يعد مجرد حارس.
سألته عن خبر..
ثم مقال..ثم عن رأيه.
وبدون أن يشعر..صار جزءًا من البيت.
كان الزوج يعود ليلًا..
يراه يقظًا دائمًا.أعطاه مالًا:
“كنا محتاجين واحد زيك من زمان.”
نظر إلى النقود..كما لو أنها تخص شخصًا آخر.
مرت الأيام.صار صوته.. صوت المكان:
“أفندم”
“الهانم مشغولة”
توقف عند الكلمة.
“الهانم”
قالها بسهولة..بسهولة.. أزعجته.أصبح يدخل البيت أكثر.يجلس.. يقرأ.. يشرح.. يقترح..وهي تستمع.قالت له مرة، وهي تراقبه:
“إنت مش شبه الناس اللي جت قبلك.”
ثم أضافت:“واضح إنك متعلم.. ليه ترضى على نفسك كده؟ لازم تطور من نفسك.”لم يُجب.
وفي يوم آخر:
“إنت خسارة إنك حارس.. تستحق وظيفة أفضل.”نظر إليها..ولم يبتسم.في تلك الليلة.. جاءت الخادمة تحمل حقيبة ملابس:“حاجات البيه القديمة.. مبروك عليك.”أخذها.. دون رد.
جلس وحده.
الكلمات بدأت تدور..
“وظيفة أفضل”
“حاجات البيه القديمة”
كررها ببطء..يعني إيه؟
هدوم ..وظيفة أفضل؟
إنت مين؟
أنا معرفكش؟
أنا بقيت إيه؟
بواب.. ببدلة؟
ولا خدام..بشكل أشيك؟”
سكت طويلًا.ثم همس:
“هما شايفني إزاي؟
واحد يستحق.. يتكافأ؟
ولا واحد.. اتروض كويس؟”
وُضع طبق العشاء أمامه.. ككل يوم.أخذ لقمة..توقفت في حلقه.
أعادها ببطء.نظر إلى الطبق طويلًا..ثم سكبه.
وقال:
“هي بتبدأ كده”
سكت..ثم أكمل:
“وبتنتهي.. إني أستنى.”
رفع عينيه نحو الباب.
الكلاب في الخارج..
تأكل في مواعيدها..
ولا تسأل.أغمض عينيه لحظة.ثم قال:
“أنا مش خايف من الجوع..أنا خايف أتعوّد.”
فتح الدرج.
كتب:
“مش ده مكاني.”
توقف..ثم أضاف:
“مش هرجع لنفسي القديمة..هرجع لنفسي الحقيقية.”
خرج.لم يلمس الأشجار.
لم ينظر للماء.عند البوابة..نبحت الكلاب.
لم يربت عليها هذه المرة.فتح الباب.. وخرج.
الطريق كان طويلًا..لكنه لم يتردد.
عندما وصل الحارة..لم يقف.لم يفكر.
دخل.كل شيء كما هو..
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
لم يعد يسأل:
“هعيش إزاي؟”
بل:“هكون مين؟”
..ومشى.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire