samedi 28 mars 2026

بقلم: فادي عايد حروب

العبث يحكم العالم
في عالمٍ يبدو منظَّماً من الخارج، تعمل الفوضى في الداخل بكفاءةٍ مدهشة. لا لأن الأنظمة ضعيفة، بل لأنها — في كثير من الأحيان — صُمِّمت لتُبقي الأمور كما هي. هنا لا يحكم العقل وحده، ولا الفوضى وحدها، بل مزيجٌ غريب يمكن تسميته: العبث المنظَّم — ذلك الكائن الذي يرتدي ربطة عنق، ويحمل محفظة، ويحضر الاجتماعات في الوقت المحدد.
الخطاب: حين تُعاد صياغة الحقيقة
لم يعد الخطاب السياسي مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح فنَّ هندسة الواقع. يقف المتحدث أمام الجمهور لا ليكشف الحقيقة، بل ليُقدّم نسخةً منها قابلةً للتصديق — وهذا فارقٌ جوهري. الحقيقة الخام خطرة لأنها لا تُفسَّر، أما النسخة المُعدَّلة فتأتي مع تعليمات الاستخدام.
الجمهور، من جهته، لا يُصفّق دائماً اقتناعاً. يُصفّق لأن التصفيق أقل تكلفةً من التفكير، والتفكير قد يقود إلى أسئلة، والأسئلة قد تفتح أبواباً لا أحد يعرف ما خلفها — وهذا وحده كافٍ للإحجام.
هكذا تُدار المجتمعات الحديثة: خطابٌ محسوب، وذاكرة انتقائية، وجمهورٌ يُشارك — بوعي أو بدونه — في تثبيت الرواية السائدة. ليست مؤامرة بالضرورة، بل شيءٌ أكثر إتقاناً وأشد إحكاماً: نظامٌ يُعيد إنتاج نفسه بأيدي من يعيشون فيه.
الخريطة: حدودٌ تُصنع... ثم تُقدَّس
الحدود التي نراها اليوم لم تنشأ طبيعياً، بل رُسمت في لحظات تاريخية كان أصحابها يجلسون بعيداً عن الأرض التي يُقسّمون — بعيداً عن ترابها ورائحتها وأصوات أهلها. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الخطوط العشوائية إلى حقائق صلبة، بل إلى هويات تُدافع عنها الأجيال حتى الموت، دون أن تعلم أحياناً كيف وُلدت.
المفارقة أن الطبيعة نفسها لا تعترف بهذه التقسيمات؛ فالأنهار تجري، والرياح تهبّ، والجبال تقف — وكلها تتجاوز الحدود بلا تأشيرة ولا استئذان. لكن الإنسان، بدافع الخوف أو المصلحة أو الوهم المُسمّى "النظام"، حوّل هذه الخطوط إلى جدران نفسية قبل أن تصبح جغرافية، ثم أطلق على ذلك اسم الحضارة — كأن الحضارة مرادفٌ للفصل لا للوصل.
العدالة: بين نص القانون وطبيعة السلطة
العدالة، كما تُعرَض رمزياً، تبدو محايدةً عمياء. التمثال معصوب العينين، والميزان مرفوعٌ في الهواء — والصورة جميلة ومطمئنة. لكن الواقع يكشف أن العمى ليس دائماً نزاهةً، وأن المعصوب العينين يسمع جيداً ما يدور حوله.
القوانين تُكتب بلغةٍ عامة، لكنها تُفسَّر وتُطبَّق في سياقات مختلفة، قد تتأثر بالسلطة والنفوذ والمصالح الضيقة. هذا التباين بين النص والتطبيق لا يعني غياب القانون، بل يكشف شيئاً أكثر دقةً وأشد خطورة: مرونته. فالقانون المرن لا يُلغى، بل يُوجَّه — ويصبح أداةً لإدارة العدالة وفق موازين غير معلنة، أنيقة في صمتها، فعّالة في انتقائها.
السلام: خطابٌ يصف ما لا يُشبهه الواقع
في الخطاب الرسمي، يبدو السلام غايةً نهائيةً ومقدسة. لكن في الواقع، كثيراً ما يكون مجرد مرحلة ضمن صراع لم ينتهِ، بل أعاد ترتيب أوراقه. تُعقد الاتفاقيات وتُلتقط الصور وتُصاغ البيانات، بينما على الأرض يُحصي أحدهم غائبيه، ويُعيد بناء ما هُدم — لا لأن السلام أتى، بل لأن الحرب أخذت ما أرادت وارتاحت قليلاً.
الفجوة بين اللغة الدبلوماسية والواقع الميداني تطرح سؤالاً يصعب الإجابة عنه بصدق: هل السلام دائماً غاية، أم أحياناً وسيلةٌ لإعادة رسم الصراع بخرائط مختلفة؟ وإذا كان الأخير صحيحاً أحياناً، فمن يملك الشجاعة على التصريح به أمام الكاميرات؟
الشعب: السيادة المُعلنة والغياب الفعلي
تؤكد الأنظمة الحديثة، بلا استثناء تقريباً، أن الشعب هو مصدر السلطات. العبارة موجودة في الدساتير، وتُردَّد في الخطب، وتُطبَع على الأوراق الرسمية — وهذا تكريمٌ رفيع لمبدأٍ جميل.
لكن الممارسة اليومية تكشف فجوةً بين المبدأ والتطبيق. المواطن يُستدعى في لحظات محددة، ويُغيَّب في لحظات أخرى. يُشارك في عمليات شكلية، بينما تُتخذ القرارات الكبرى في دوائر ضيقة تعرف ما تريد قبل أن يبدأ الحوار. وما الحوار أحياناً إلا طقسٌ يُضفي الشرعية على ما تقرَّر سلفاً.
هذه الفجوة لا تلغي دور الشعوب كلياً، لكنها تُعيد تعريفه: من فاعلٍ مباشر، إلى عنصر ضمن منظومة أوسع — حاضرٌ بما يكفي لمنح الشرعية، غائبٌ بما يكفي لإبقاء القرار في مكانه.
الإعلام: حين يصبح الوضوح ترفاً
في الماضي، كانت المشكلة في شحّ المعلومات وإخفائها. أما اليوم، فالمشكلة في فائضها المُنظَّم. تتدفق الأخبار والتحليلات والتعليقات بلا توقف، حتى يصبح التمييز بين الجوهري والهامشي جهداً يوميًا مُضنياً لا يُكافأ صاحبه دائماً.
هذه الكثافة لا تؤدي بالضرورة إلى وعيٍ أعمق، بل قد تُفضي إلى شيء أشبه بالتخدير المعلوماتي: يمتلك الفرد كل شيء، ويفهم القليل، ويفعل أقل. الفوضى المعلوماتية ليست عكس الرقابة — هي أحد أشكالها الأكثر حداثةً وأعلى كفاءة. لم تعد الحقيقة تُحجب، بل تُغرق بما يشبهها.
نهاية التاريخ: الفكرة التي لم يقرأها التاريخ
ظهرت في أعقاب الحرب الباردة أطروحاتٌ جريئة تُعلن أن الإنسانية وصلت إلى محطتها الأخيرة، وأن الليبرالية الديمقراطية انتصرت انتصاراً نهائياً. كانت فكرةً مريحة ومنطقية في سياقها — لكن التاريخ، ببساطة، لم يقرأها.
واصل التاريخ عمله: صراعاتٌ جديدة، أزماتٌ غير متوقعة، نماذج سلطوية تستعيد حضورها في قلب الديمقراطيات أحياناً. ربما المشكلة لم تكن في الفكرة ذاتها، بل في افتراض أن التاريخ يسير في خطٍّ مستقيم نحو نهاية مُحددة. في حين أن الواقع — على ما يبدو — يُفضّل المنعطفات على الخطوط المستقيمة، والمفاجأة على اليقين.
خاتمة: العبث مسؤوليةٌ مشتركة
العبث السياسي لا يُفرض بالكامل من الأعلى، ولا ينشأ بالكامل من الأسفل. يتشكّل في المساحة البينية — تلك المنطقة الرمادية بين من يصنعون الواقع ومن يُعيشونه. حين يُقبَل الخطاب دون مساءلة، وتُترك التناقضات دون تفكير، وتُمنح الشرعية دون تدقيق — يصبح العبث جزءاً من الأثاث اليومي، ألوفاً وغير مُلفت.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا يسود العبث؟
بل: كيف نُسهم — بصمتنا، وتبريرنا، ولامبالاتنا — في تجديد عقده كل يوم؟
العبث لا يحكم العالم وحده —
بل يجد دائماً من يمنحه الشرعية،
ومن يُوقّع له على الاستمرار.
"إن أخطر أشكال الظلم ليس الظلم الصارخ الذي يستفز، بل الظلم المُعقلَن الذي يُقنعك أنه النظام."
✒️ بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين
© جميع الحقوق محفوظة

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire