سلسـلة «عـروش الزمـرد» الجـزء الثـاني
(ملحمة مصغرة)
«مـالكـار... مـلك الظـل»
الفـصل الأول: ليـلة انطفـاء النـور
لم تكن تلـک اللـيلة كغـيرها على أسـوار فالـورين.
خـبا نـور القمـر، وخفـت بريق النجـوم حتى كـاد ينطـفئ، فتـوارى وجـه الملـكة «إليـنا» عن الأنظـار، كأن السمــاء قـد استردت وديعـتها.
لم تمـض لحـظات حتى ارتجـت القلعـة.
تعـالت الأصوات، وعمّـت الفـوضى مشـوبة بالرهـبة، وتـردد الهمـس بين الأروقـة:
– أوصدوا البـوابـات.
– شـددوا الطـوق.
– لا أحـد يغـادر.
اندفـع رامـيير سـولاري إلى ساحـة القلعـة، وسـيفه مشـدود في قبضـته، جـال بنظـره بين الحـراس، وصاح بحـدة:
– مـا الـذي يجـري؟
غـير أن الصمـت وحـده تولّـى الـرد .
فجـأة، تجـلى طيـف فـارس ملثـم.
لم يُسـمع لـه وقـع قـدم، ولم يُـرَ لـه قـدوم.
دنـا من أحـد الحـراس، وألقـى في سمعـه سـرا ثـم تلاشـى، كأن الأرض ادخـرته في جـوفها.
شحـب وجـه الحـارس، وتلعـثم بصوت مرتجـف:
– "الملـكة... في قبضـة الظـل."
سـاد صمـت رهـيب، وارتجـف الحـاضرون.
تصلّب وجـه رامـيير، واشـتدت قبضتـه على مقـبض السـيف، ثـم رفـع نظـره إلى ليـونيد:
– "مـالكار... لم يكن خرافـة إذن."
ثـم اسـتدار نحو البـوابة:
– "هلـمّ بنـا... لن ننتـظر حتى يحين الفجــر."
ودون أمـر، انطلـق معـاً خـارج القلعـة، متوغـلين في الغــابة الشمـالية حتى ابتلعـهما الظـلام.
-----------------------------
الفـصل الثـاني: نبـوءة بين الرمــاد
وفي اللـيلة التـالية، أثقـل المسـير كاهلـهما، لكن عزيمـتهما لم تلـن.
نظـر رامـيير إلى السمــاء المعـتمة كأنـه يفـتش عن علامـة، وقـال:
– "السـيف إن لم يُهـد صاحـبه، أورده حتفــه."
فهـم ليـونيد مغـزاه:
– "الحكيمـة لـورينا؟ أو الساحـرة... كمـا يزعمـون."
شقّـا طريقـهما عـبر شعـاب وعـرة حتى بلغـا كوخـها القـابع في عـزلة.
ومـا إن اقـتربا حتى انسـاب صوتـها من الداخـل هـادئا، لكـنه مشحون برهـبة خفـيّة:
– "أبطـأتما... مع أنكما كنتمـا أحـقّ بالعجـلة."
تبـادلا نظـرة صامـتة، ثـم دفـع رامـيير البـاب ودخـلا...
كانت لـورينا منحـنية على موقـد خـافت، وظفـائرها البيـضاء تنسـدل على كتفـيها.
أشـارت لهـما بالجـلوس دون أن تسـأل...
فكأن مـا خفـي عليهما قـد انكشـف لـها.
قـالت بلا تمهـيد:
– "الملـكة لم تؤخـذ قسـرا... بل لبّـت نـداء الظـل."
قطّب ليـونيد حاجـبيه بحـزم:
– "إن كان في قـولک بيـان، فهـاتيه."
أوقـدت وعـاء حجـريا، وسكـبت فـيه مسحـوقا داكـنا مع قطرات من سـائل أسـود.
مـا لبـث الدخـان أن تصاعـد، ثـم تشكلت صـور متلاحـقة:
ركـام... جمـاجم... طيـور سـود... ظـل ممـتد...
همـس ليـونيد:
– "مملـكة مـالكار..."
أومـأت:
– "بل مـا تبقـى مـنها..."
ثم أردفـت بصوت غـائر:
"مـلك أبـى الخضـوع لقــانون الفــناء، فسـعى وراء الخـلود حتى صـار ظـلا بين الأحــياء... لا يُـرى إلا حـين يشـتد الظـلام."
تسـلل القـلق إلى صوت رامـيير:
– "أين أخـذها؟"
سـاد سكون ثقـيل، ثـم رفعـت نظـرها إلـيه:
– "إلى حيث هـوى عرشـه وبقـيت لعـنته."
انحسـر الدخـان فجـأة، لكن كلمـاتها لم تنتـهِ بعـد.
أردفـت بنبـرة أشـد:
– "بعض الأبـواب لا تُفـتح إلا بـدم المـلوك."
قـامـت ببـطء، واتجـهت نحـو رفّ خشـبي قـديم، فأخرجـت لفــافة مهتـرئة وفـردتها أمـامها.
كانت معـالمها مبهمـة...
أراض ممسـوحة، وأخـرى باهـتة، وأمـاكن كُشطت أسمـاؤها.
وضعـت أصبعـها على بقعـة شـبه مطمـوسة.
– "هـنا كان عرشـه."
تجـهّم وجـه رامـيير، لكـنه لم يسـأل، فقـد أدرک أن الطريـق قـد خُـطّ بالفعـل.
ولمـا همّـا بالانصـراف، نـاولـت لرامـيير تعـويذة منقـوشة برمـز غـريب، ثـم خفضت صوتـها:
– "تمسـک بـها إن اشـتد الظـلام...
لا تُصـغِ للهمـس، ولا تطـيل النظـر في الظـل."
أخـذها دون سـؤال.
لم يطيلا البقــاء، خـرجا مسرعـين وقـد صار اللـيل أثقـل ممـا كـان.
قـال ليـونيد وهو يسـير:
– "لا أؤمـن بالنبـوءات."
أجـابه رامـيير وهو يشـد قبضـته على التعـويذة:
– "ولا أنـا... لكنني أؤمـن بمـا سنفعـله."
-----------------------------
الفـصل الثـالث: أرض اللعــنة
بلـغ الفـارسان فـلاةً غـبراء، لم تطـأها قـدم مـنذ قـرون.
أطـلال مملـكة غـابرة، أعمـدتها منكّـسة وجـدرانها متصدعـة، كأن الزمـن مـرّ بـها فطمـس ملامحـها وتـرک لعـنتها.
توقـف ليـونيد وقـد انعقـد صوتـه:
– "هذه ليسـت آثـار حـرب... بل لعــنة."
تقـدم رامـيير بين الأنقـاض، عـثر على لـوح حجـري نصفـه مطمـور وجمـاجم مطمـوسة بنقـوش متآكـلة، كأن الأرض لفظـت أهـلها ولم يبـق فـيها من بشـر إلا الظـلال.
وفي غضون دقـائق، دوّى صوت متجلجل من خلفـهما:
– "أبطـأتَ يـا فـارس الغـروب."
اسـتدارا معـا، فـإذا
بـ مـالكار قـائم بين الركـام، وعـيناه تتقـدان كالجمـر.
لم يكن كالبشـر، بل كأن الظـل تجسّد في هـيئة حـيّة.
ثـم أردف بصوت متردد، كأنـه ينسـلّ من عمـق الخـراب:
– "الملـكة... هي مفـتاح بعـث مملكتي."
فتعـالت قهقـهته واشـتد نعـيق الغـربان فوق الأطـلال، كأنـها تستجـيب لندائـه.
تقـدم رامـيير خـطوة وصوته نافــذ:
– "حـرّرها... وإلا حكـم السـيف بينـنا."
أطـبق على التعـويذة، فانبعـث مـنها وهـج دافـئ امـتد في الهـواء، فأفـلح في صـد الظـلال.
اهـتزت الأرض تحت أقـدامهما، وتشققـت الحجـارة، ثـم تلاشـى مـالكار...
تـاركا أثـرا داكـنا يقـود إلى بـرج معـتم.
-----------------------------
الفـصل الرابـع: البـرج المعـتم
كان البـرج قـائما في قلـب الخـراب، كأن اللعـنة قـد اتخـذته عـرشا.
تسـلل الثنـائي عـبر الأطـلال وانخـرطا في قـتال محـتدم.
تلاحقـت الضربـات وسقـط الحـراس تبـاعـا، حتى لم يبـق بينـهم وبين قلـب البـرج سـوى بوابـة شاهقـة.
دفـع رامـيير المصراع بثقـل، فانفـتح دون صـرير.
همـس وهـو يضـع يـده على مقـبض سيفـه:
– "هذا ليس مقــام البشـر."
ارتقـيا درجـا حجـريا يلتـف كالأفـعى، حتى بلغـا ذروة البـرج.
وهنـاک، تجـلى المشـهد مهـيبا.
قفـص حـديدي يتـدلى من السقـف، معـلّق بسـلاسل سمـيكة، وداخـله الملـكة «إلـينا» واهـنة.
كان القفـص يترنـح بخفــة فوق نمـور تـدور في حلقـات ضيقـة، وعـيونها تتوهـج بالوحشـية.
رفعـت الملـكة رأسـها، وقـد أنهكـها الأسـر والخـوف، وقـالت بوهَـن:
– لا تقـتربا...
وثـب ليـونيد دون تـردد، وقـاتل الوحـوش بضـراوة، فأصـاب أولـها عند العـنق، وتعـالى الزئـير من حـوله.
اندفعـت البقـية نحـوه من جهـتين، فمزقـت المخـالب ردائـه، وخـدشت كتفــه، لكـنه أطـاح بهـم جمـيعا.
أمـا رامـيير فلـم يضيع لحـظة، تسـلق السـلاسل بقبضتين داميتين حتى بلـغ موضع القفـل.
ضربـة تلـو أخـرى... حتى انكسـر.
هـوى القفـص...
وفي لحـظة فـاصلة، التقـط ليـونيد الملـكة بين ذراعـيه قبل أن تصطدم بالأرض.
-----------------------------
الفـصل الخـامس: انكسار العـهد
لم يكد صلـيل السـيوف ينتـهي حتى ارتـج البـرج تحت وطـأة قـوة خفـية.
تنـاثر الغـبار من السـقف، كأن المكـان يلفـظ أنفــاسه الأخـيرة.
وانبثـق مـالكار من بين الأنقـاض، متصدع الهـيئة، وصوتـه يتردد:
– "أنـا العـهد الـذي لـم يُكـسر."
أجـابه رامـيير بصوت نافـذ:
– "بل أنت لعـنة، آن أوان زوالـها."
رفـع التعـويذة، فاشـتد وهجـها.
هـدر مـالكار وهو يتقـهقر:
– "الـدم الملـكي لي... هو المفـتاح!"
وقبل أن يتـم قـوله، اندفعـت الملـكة، رغـم وهـنها، وضعـت كفـها فوق كـف رامـيير.
ثم سكن كل شـيء.
-----------------------------
الفـصل السـادس: الرمـح الغـادر
– "انتـهى عـهد مـالكار!"
هكذا أعـلنها رامـيير...
لكن السكون الـذي أعقـب ذلـک كان أشـد وطـأة من صلـيل السـيوف.
وحـين التفـت.
كان ليـونيد مسـجى على الأرض، أطاحـه رمـح غـادر أصـاب قلـبه.
مضى نحـوه ببـطء وجـثا عـنده.
ابتسـم ليـونيد ابتسامـة واهـنة، ثـم سعـل فازداد الـدم قـتامـة على درعـه الفـضي.
مـدّ رامـيير يـده لينـزع النـصل، لكن ليـونيد قـبض على معصمـه بضعـف:
– "دعــه... انتـهى الأمـر."
اهـتز صوت رامـيير:
– "أصمـد... رجـاء."
لكن الصوت خـذله.
خـبتْ عـيناه، وبقـيت فيهما آخـر شـرارة من تلـک الضـراوة التي لم تعـرف الهزيمـة.
ظل رامـيير ممسكا بـه، وقـد خـرس الزمـن من حـولهما.
أغمـض عـينيه في صمـت ثقـيل، ثم نهض ببـطء، كأن داخـله انكسـر.
-----------------------------
الفـصل الأخـير: فجـر الظـل الأخـير
ولمـا مـالت الشمـس إلى المغـيب، كانت أطـلال المملـكة تقـف شاهـدة على انقـضاء عـهد التهمـه الخـراب.
وقـف رامـيير والملـكة «إليـنا» على قمـة البـرج المعـتم، يطيلان النـظر إلى أثـر مـالكار، الملتـف بغـبار أسـود، كأن الظـل أبـى أن يفـارقه حتى بعـد الهـلاک.
همست الملـكة بصوت واهـن:
– لقـد نجـونا يا رامـيير... لكن الظلال ستظل تترصـد المملـكة دومــا.
لم يجـبها في بـادئ الأمـر.
كان بصـره معلـقا بالأفـق، حيث امـتد ضوء الفجـر على الأطـلال.
تـردد في ذهـنه همـس لوريـنا:
– "لا تُطل النظـر في الظـل."
خفـض بصره، لكن بعـد فـوات لحـظة.
إذ لاح في البعـيد، ومـيض خـافت، كأنـه امـتداد لظـل آخـر...
سكنت أنفــاسه لوهـلة، وخـفت وهـج التعـويذة في قبضـته كأن مـا حُـذّروا مـنه قـد بـدأ للتـو.
وفي السمــاء،
حلّقـت الغـربان بعـيدا في صمـت مهـيب، كأنـها ترثـي عـهدا انقـضى.
أو لعـله لم ينتـه بعـد...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire