jeudi 5 février 2026

بقلم: د. عبدالعزيز الرميلي النعمي

الإهمال… حين يُخذَل المعنى بصمت
بقلم: د. عبدالعزيز الرميلي النعمي

الإهمال ليس فعلًا عابرًا، ولا سلوكًا هامشيًا يمكن تجاوزه بالاعتذار المتأخر، بل هو أحد أخطر أشكال الأذى الإنساني؛ لأنه لا يُمارَس بضجيج، ولا يُرتكَب بيدٍ واضحة، وإنما يتسلل في صمت، ويترك خلفه فراغًا أثقل من الألم نفسه.

نحن لا نُدمّر الأشياء دائمًا حين نُهملها، بل نتركها تتآكل ببطء، كما ينهار البيت الذي لم تهدمه المعاول، لكن غاب عنه الساكن والعناية. فالإهمال ليس كسرًا مباشرًا، بل خذلانٌ طويل الأمد.

الإهمال من منظور فلسفي
فلسفيًا، الإهمال ليس غياب الفعل، بل قرار باللا-فعل.
أن تعرف ثم لا تتحرك،
أن ترى ثم تتجاهل،
أن تشعر ثم تصمت.
وفي هذا الصمت تتكثف المأساة؛ لأن الإهمال لا يعلن الرفض، بل يوصل رسالة أخطر أنت لست مهمًا بما يكفي.

 ولهذا كان الإهمال أوجع من القطيعة، وأقسى من الرفض، لأن القطيعة موقف، أما الإهمال فهو إلغاء غير معلن للوجود.

أسباب الإهمال

تتعدد دوافع الإهمال، لكنها غالبًا تعود إلى جذور نفسية وأخلاقية، من 

أبرزها:
التبلّد العاطفي الناتج عن تراكم الخيبات، حيث يتحول الدفاع المؤقت إلى عادة قاسية.

الأنانية الحديثة التي جعلت الذات مركزًا لكل شيء، وما عداها قابل للتأجيل أو النسيان.

الخوف من المواجهة؛ فيختار البعض الغياب بدل الصراحة، هربًا من ثقل الاعتراف.

فقدان المعنى؛ فمن لا يرى قيمة لما حوله، يُهمل كل شيء بلا شعور بالذنب.
سوء فهم الحرية؛ حين تُفهم الحرية على أنها تخلٍّ عن الالتزام والمسؤولية.
آثار الإهمال… الخراب الهادئ

الإهمال لا يُحدِث ضجيجًا، لكنه يخلّف: طفلًا يبحث عن انتباه لا يأتي،
وعلاقةً تموت دون شجار،
وموهبةً تُدفن قبل أن ترى النور،
وإنسانًا يشكّ في قيمته لأنه لم يُلتفت إليه.
إنه موت بطيء للمعنى، وتآكل صامت للثقة، وانكسار لا يُرى لكنه يُحسّ بعمق.

علاج الإهمال
لا يُعالَج الإهمال بالشعارات، بل بإعادة بناء الوعي والمسؤولية، وذلك عبر:
الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الذات والآخرين.
اختيار الصدق بدل الهروب؛ فالحقيقة المؤلمة أرحم من غياب بلا تفسير.
إعادة الاعتبار للإنسان كقيمة لا كخيار مؤقت.
تحويل الاهتمام من نية إلى فعل؛ فالعناية لا تُقاس بالكلام بل بالحضور.
البدء بالعناية بالذات؛ لأن من يُهمل نفسه، سيُتقن إهمال غيره دون وعي.

خاتمة

الإهمال ليس نقصًا في الوقت، بل نقصًا في الإحساس.
وليس عجزًا عن العطاء، بل تراجعًا عن الاعتراف بالآخر.
وحين ندرك أن الاهتمام ليس ترفًا، بل واجبًا إنسانيًا، سنفهم أن أبسط أشكال العناية قد تُنقذ روحًا، وتُعيد معنى، وتُصلح ما لم يكسره أحد… سوى الإهمال.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire