ليس الصمت فراغًا كما يُظن، ولا انقطاعًا عن التواصل، بل هو مساحة أخرى للمعنى، لغة غير منطوقة تحمل في طياتها ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله، فبين ضجيج العالم وتسارع الأصوات، يقف الصمت كفعلٍ واعٍ، يختبر به الإنسان عمق ذاته وحدود علاقته بالآخرين.
الصمت قد يكون اختيارًا نابعًا من الحكمة؛ حين يدرك المرء أنّ الكلام في لحظة ما سيزيد الالتباس لا الفهم، أو حين يحتاج العقل إلى هدنة يعيد فيها ترتيب أفكاره، في هذا السياق، يصبح الصمت شكلًا من أشكال النضج، دليلًا على وعي داخلي يعرف متى يتكلم ومتى ينسحب بهدوء.
لكن للصمت وجوهًا أخرى أكثر تعقيدًا، فقد يتحول إلى درعٍ يحتمي به الإنسان من الخذلان أو الألم، أو إلى جدارٍ يفصل بين القلوب حين يعجز التعبير عن المشاعر، هنا لا يكون الصمت سلامًا، بل لغة خوف، ورسالة غير مكتملة تنتظر من يقرأها بعين حساسة لا بأذن فقط.
في العلاقات الإنسانية، يتفاوت معنى الصمت بتفاوت السياق، صمت المتأمل يختلف عن صمت الغاضب، وصمت المحب لا يشبه صمت المنسحب، قد يكون الصمت احتواءً عميقًا، حضورًا بلا ضجيج، وقد يكون عقابًا نفسيًا قاسيًا يترك أثره أطول من أي كلمة جارحة، لذلك، لا يُقاس الصمت بطوله، بل بنيته الداخلية وما يخفيه من نوايا.
أما على المستوى الفردي، فالصمت نافذة للتصالح مع الذات، فيه تُسمع الأسئلة المؤجلة، وتظهر الحقائق التي غطاها الكلام، الصمت هنا ليس هروبًا من العالم، بل عودة واعية إلى الداخل، حيث تتشكل القناعات بعيدًا عن التأثيرات الخارجية.
في زمن تُقاس فيه القيمة بارتفاع الصوت وسرعة الرد، يصبح الصمت مهارة نادرة، مهارة تحتاج إلى شجاعة، لأن الصمت الصادق يعرّي الداخل، ويضع الإنسان وجهًا لوجه مع نفسه، وبين صمتٍ حكيم وصمتٍ مؤلم، تبقى القدرة على التمييز هي مفتاح الفهم.
الصمت ليس نقيض الكلام، بل شريكه الخفي، فكما تحتاج الجملة إلى فاصلة لتستقيم، يحتاج الإنسان إلى الصمت ليكتمل المعنى، وفي نهاية الأمر، ليست كل حقيقة بحاجة إلى أن تُقال، بعض الحقائق يكفي أن تُحسّ.
الكاتبة: ورود نبيل
الأردن
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire