إلى أين يُرسلُ الزمانُ أضواءَه المُطفأة؟
إلى ديوانِ الحقِّ، حيثُ لا يضيعُ مثقالُ ذرةٍ من صِدق.
وأين تتردّدُ أصواتُ ذرّاتي المُبعثرةِ في زمنٍ بلا أفق؟
إنّها تسجدُ في ملكوتِ الله، تُسبّحُ باسمِ مَن أوجدَها من عَدَم،
فأنا لستُ صدفةً ضائعة، بل أنا خَلْقٌ لسببٍ عظيم،
أنا خليفةُ اللهِ في أرضِه، ووارثُ الأمانةِ التي أبتْها الجبال،
أنا كائنٌ وُجدَ ليُعمرَ، ليُصلحَ، وليكونَ في كنفِ اللهِ عبداً أوّاهًا.
أنا كائنٌ ينهضُ من عُمرِ أملهِ، مُستنداً إلى رُكنٍ شديد،
سَيّافُ الوقتِ لا يرهبني، فقد جئتُ لأكتبَ بالزمنِ قصةَ طاعتي،
وفي عباءةِ الليلِ، لا أتنصّتُ على أسرارِ الدنيا فحسب،
بل أناجي الخالقَ: "يا ربِّ، اجعلني من عبادِكَ الصالحينَ الخاضعين"،
ففي قلبِ الوجعِ يكمنُ اختبارُ المحبة، وفي الصبرِ تنجلي رتبةُ اليقين،
وفي معراجِ الحكمة، نجدُ خُطى الحبيبِ المصطفى منارةً لا تضلّ السالكين.
تذكّرْ.. أنّنا روحٌ انخلقتْ من نفخةِ القُدُس، لا من ظلِّ المجهول،
وأنَّ الأمورَ جميعَها مُتشابكةٌ بتقديرِ عزيزٍ عليم،
خلقَنا لنكونَ خلفاءَ في أرضه، نزرعُ العدلَ حيثُما حلّ الظلم،
ونكونَ من عِبادِه الذين ذلّت جِباههم له عزاً، وفاضت أرواحهم له حباً،
مُتبعينَ سيرةَ محمدٍ ﷺ، نبيِّ الرحمةِ وهادي الأمة،
مَن جعلَ من ظلامِ الجاهليةِ فجراً، ومن اليتمِ مدرسةً للعالمين.
كلُّ شيءٍ، كحكمةِ مركبٍ يقودُه الإيمانُ في بحرِ القدر،
يمتزجُ فيه العملُ باليقين، والجهدُ بالتوكلِ على ربِّ الفلق،
وبين أسطرٍ من ضوءٍ وظلام، نُبصرُ الطريقَ بـ "الهدى":
فلسنا أصدافاً ضائعة، بل نحنُ بُناةُ أمةٍ وشُهداءُ على الناس،
مُعلّقينَ بين عمارةِ الدنيا وشوقِ اللقاءِ في جناتِ الخلود.
أنا المسافرُ في ملكوتِ ذاتي، أبحثُ عن اللهِ في كلِّ نبضة،
أستقي من نبعِ "طه" طهارةَ القلبِ ونورَ النبضة،
فلا عيشَ إلا عيشَ مَن رضيَ باللهِ رباً، وبالإسلامِ ديناً،
وبمحمدَ ﷺ نبياً يفتحُ لنا أبوابَ السماواتِ بفيضِ سكينتِه.
وفي سرِّ الوجودِ أُعلنُ: إنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرة،
والأحلامُ التي تشقُّ عنانَ السماء، هي دعواتٌ تُستجابُ بـ "كُن فيكون".
نحنُ قطاراتُ نورٍ تسيرُ على سكةِ الشريعةِ والحق،
نُجاهدُ أنفسَنا، ونتبعُ سيرةَ مَن كان خُلقُه القرآن،
عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم، مَن علّمَنا أنَّ الحقيقةَ في التواضع،
وأنَّ الرفعةَ في السجود، وأنَّ سرَّ السرِّ هو الإخلاصُ لربِّ العباد.
يا مَن يستجلبُ وجودَه من مِشكاةِ النبوةِ إلى عوالمِ السعي،
اعلمْ أنَّ الشمسَ تُشرقُ بأمرِ ربّها لتُضيءَ دربَ الصالحين،
وأنَّ الحقيقةَ ليست سراباً، بل هي "دينٌ وقيمٌ وعمل".
فحينَ تضعُ جبهتَك في حضنِ السجودِ للامتناهي،
اسألْ: "اللهمَّ اجعلني من عبادِك المُخلصين، ومِمّن اقتفى أثرَ نبيِّك الأمين".
في كلِّ ابتسامةٍ وفي كلِّ دمعةٍ لله،
أجدُ أنَّ الحكمةَ هي "التقوى"، وأنَّ الإنسانَ رحلةُ عودةٍ إلى الأصل،
بين صِدقِ الاتّباعِ وعظمةِ الاستخلافِ في الأرض.
وفي النهايةِ نُدركُ أننا جميعاً عائدون،
نَسيرُ على أرضِ القدرِ بخُطى مَن عرفَ الغايةَ والمسير،
وأنَّ الرحيلَ هو العبورُ إلى دارِ المستقر،
حيثُ يُصبحُ سرُّنا نوراً يُضيءُ لنا فوقَ الصراط،
بشفاعةِ مَن صَلّتْ عليه الملائكةُ والكونُ أجمعين.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire