في مساءٍ تتعانق فيه زرقة السماء مع غبار الطريق جلس فلاحٌ عند حافة الحقل يُحادث سنابل القمح كما لو كانت أبناءه مرّ به مدنيٌّ يحمل في يده هاتفًا لامعًا وفي عينيه ضجيج المدينة قال المدنيّ: كيف تعيش هنا بعيدًا عن الأبراج والأنوار؟ ألا يرهقك صمت الحقول ورتابة المواسم؟ ابتسم الفلاح ومسح جبينه بكفٍ خشنةٍ من أثر الشمس وقال: أنا لا أعيش بعيدً بل أعيش قريبًا من نفسي هنا أعرف وجهي حين ينعكس في جدول الماء ولا أحتاج شاشةً لتخبرني أنني حيّ
قال المدنيّ: لكن المدينة تمنحك الفرص فيها المال فيها العمل الذي لا ينتظر المطر فيها كل شيءٍ يسير بسرعة الضوء ردّ الفلاح وهو ينظر إلى الأفق: وما نفع السرعة إن كانت تأخذك بعيدًا عن قلبك؟ أنا أنتظر المطر نعم، لكني أتعلم من الانتظار معنى الرجاء أزرع بذرةً صغيرة وأثق أن الأرض ستردّ لي الجميل سنبلةً مضيئة
قال المدنيّ: نحن في المدينة نصنع الأشياء بأيدينا نشيّد المصانع نرسم الخرائط نغيّر وجه العالم ضحك الفلاح بخفةٍ تشبه حفيف الشجر: وأنا أغيّر وجه الأرض كل صباح أشقّها بالمحراث فتبتسم لي خضراء أطعم الناس خبزًا هو خلاصة تعبي وصبري
قال المدنيّ: لكن حياتكم بسيطة حدّ القسوة لا مقاهٍ فاخرة لا مسارح لا شوارع مضاءة حتى الفجر أجابه الفلاح: لدينا سماءٌ كاملة النجوم ومسرحنا قمرٌ لا يتأخر عن موعده ومقاهينا ظلال أشجارٍ يُعدّ فيها النسيم قهوته بلا ثمن
تنهد المدنيّ وقال: نحن نعيش بين ازدحامٍ لا يهدأ نركض طوال النهار كي نلحق بأحلامٍ تكبر كلما اقتربنا منها قال الفلاح بصوتٍ هادئ: وأنا أركض خلف بقرةٍ شاردة أو خلف غيمةٍ عابرة لكنني حين أعود مساءً أنام قرير العين أحلامي تنام بجانبي ولا تهرب إلى غدٍ بعيد سكت الاثنان لحظة تكلّم فيها صرير الجنادب بدل الكلمات
قال المدنيّ أخيرًا: ربما نحن مختلفان لكننا نبحث عن الشيء ذاته
سأله الفلاح: وما هو؟
قال المدنيّ: الطمأنينة ابتسم الفلاح ومدّ يده إليه: إذن لسنا خصمين بل طريقان نحو راحةٍ واحدة أنت تبني المدينة وأنا أبني الرغيف وبين الحجر والسنابل تكتمل الحكاية غابت الشمس وبقي في الأفق خيطٌ ذهبيّ يجمع بين الحقل والمدينة كأن الحياة تقول لهما: اختلافكما ليس صراعًا… بل تنوّعٌ يُثري المعنى ويجعل العالم أوسع من رأيٍ واحد
بقلم : جمال الشلالدة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire