بقلم/نشأت البسيوني
في اعماق النفس البشرية يسكن جوهر ثابت لا تهزه السنون ولا تغيره المظاهر ولا تقدر الاحداث على تبديله فهو النواة الاولى التي تتشكل منها شخصية الانسان وهو الصوت الداخلي الذي يرافقه في كل خطوة وهو الحقيقة التي تتجلى مهما حاول ان يخفيها ومهما ارتدى من اقنعة فالقناع يسقط حين تشتد التجارب والاختبار الحقيقي يبدأ حين تضيق الدنيا وتضطرب المواقف هنا فقط يظهر
الانسان كما هو بلا رتوش بلا ادعاء بلا تزييف لان الجوهر الحقيقي لا يمكن تغطيته بالتصنع ولا يمكن دفنه تحت طبقات من الادوار الاجتماعية المؤقتة ومع مرور اللحظات والايام يتأكد للانسان ان صورته الخارجية ليست الا ظلا متغيرا بينما جوهره الداخلي ثابت لا يتراجع ولا يلين مهما حاول ان يتعلم سلوكا جديدا او يكتسب تصرفا مغايرا او يقلد غيره في طريقة الكلام او الحركة او الحياة
فالتطبع قد يصنع مشهدا لكنه لا يصنع روحا وقد يبني مظهرا لكنه لا يغير اعماقا فالانسان حين يواجه الحقيقة او الغضب او الخوف او الفرح ينكشف جوهره كما هو تماما وكأن السنوات الطويلة من التظاهر لم تمر عليه وكأن المواقف الحياتية جاءت لتعيده الى اصله وتذكره بما بداخله وفي تفاصيل العلاقات يتبين ان الحقيقة تظهر دائما مهما طال الوقت فالتصرفات العفوية في المواقف المفاجئة
تكشف كل ما حاول الانسان ان يخفيه واللحظات الصعبة تزيل كل الطلاء الزائف الذي استخدمه ليبدو ارقى او اقوى او اكثر مثالية والعفوية هنا ليست نقطة ضعف بل مرآة صادقة تعيد للانسان صورته الحقيقية وتجعله يواجه طباعه بكل وضوح فالجوهر يغلب الشكل والاصل يغلب المظهر والصدق الداخلي يبقى اقوى من كل ما اكتسبه الانسان من عادات قد يتخلى عنها في لحظة ومع اتساع
التجربة يدرك الانسان ان قوة شخصيته لا تأتي من تمثيل دور معين ولا من محاولة تقليد غيره في التصرفات بل من اعترافه بصفاته الحقيقية ومن قدرته على تهذيب طباعه دون محاولة قتلها او استبدالها لانه حين يقبل ذاته يصبح قادرا على التطور وحين يفهم جوهره يعرف كيف يوجهه بالاتجاه الصحيح وكيف يستفيد من نقاط قوته وكيف يعالج نقاط ضعفه دون ان يخسر نفسه ودون
ان ينفصل عن هويته الاصلية التي جعلته ما هو عليه يبقى جوهر الانسان هو البصمة التي لا تتكرر وهو الحقيقة التي لا تتغير وهو الكيان الذي يصمد امام عواصف الحياة ومفاجآتها وهو الصوت الذي يعود اليه الانسان حين يهدأ كل شيء ويعود كل شخص الى داخله ليعرف من هو بحق وليفهم ان الثبات ليس في المظهر بل في الجوهر وليس في الاقنعة بل في الحقيقة التي تسكن الروح منذ اللحظة الاولى
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire