نفحات من نور النبوة ﷺ
الجزء الثالث: ارتباك المعنى
— مدخل الراوي —
حين تنتهي ليلة الأسئلة الكبرى،
لا تنتهي الأسئلة.
بل تنتقل من خارجك إلى داخلك،
تستقر في صدرك كضيف لم يُدعَ،
ولا يعرف كيف يغادر.
ليست الليالي كما كانت، ولا الكلمات كما كانت.
حتى المرآة صارت تعكس شيئًا لا تعرفه تمامًا.
ويقول الراوي بصوت هادئ، كمن يضع يده على كتف صديق:
"أحيانًا، ليس الضياع في الطريق…
بل في قلبك الذي لم يعد يعرف الطريق."
كنتُ أحاول أن أجد توازنًا بين ما أعرفه وما أشعر به،
بين ما يطلبه عقلي وما يطالب به قلبي.
لكن كل محاولة كانت تُفضي إلى سؤال آخر،
أكبر وأكثر ثقلاً.
وأدركتُ أن المعركة لم تنتهِ حين واجهتُ أسئلتي،
بل انتقلت إلى ساحة أعمق:
مواجهة المعنى نفسه.
الفصل الأول: مفترق الطرق
كنتُ أقف عند مفترق الطرق الداخلي.
لا لافتات، ولا أدلّة، ولا من يُشير.
كل خيار يبدو صحيحًا من بعيد،
لكن بمجرد أن أقترب، أكتشف أنه يحمل في طياته تضاربًا جديدًا.
كمن يمسك بخيوط كثيرة،
ولا يعرف أيها يربطه بالحقيقة،
وأيها يشدّه إلى الأسفل.
سألتُ نفسي بصوت داخلي يشبه الهمس:
— ما هو المعنى؟
— لماذا أعيش؟
— ماذا لو لم يكن كل شيء كما أظن؟
كل سؤال كان يفتح الباب أمام آخر.
كل إجابة مؤقتة كانت تتركني أمام فراغ أكبر.
وأدركتُ شيئًا لم أكن مستعدًا له:
أن المعنى ليس وجهةً تصل إليها،
بل رفيقٌ تبنيه خطوةً خطوة،
في رحلة متعرجة داخل النفس لا تنتهي.
الفصل الثاني: وحوش القلب
كانت الوحوش من قبل أسئلةً تطاردني من الخارج،
تقتحم الليل وتملأ الصمت.
أما الآن فقد سكنت داخلي،
وتشكّلت في هيئات أصعب وأشدّ التصاقًا بالروح،
كأنها تعلّمت مني كيف أخبّئها.
الأول: الخوف
لم يعد خوفًا من السؤال،
صار خوفًا من الجواب.
خوفٌ من أن تعرف، فتكون ملزمًا بالتغيير.
خوفٌ من مواجهة الحقيقة كما هي، لا كما تريدها أن تكون.
الثاني: الشك
شكٌّ في نفسي قبل كل شيء.
شكٌّ في كل خطوة أقدمت عليها.
شكٌّ في قدرتي على الوصول،
حتى صارت كل محاولة تبدأ بسؤال:
— وإن وصلتَ، هل ستعرف أنك وصلت؟
الثالث: الكسل الروحي
وهو أخطرهم.
لأنه لا يصرخ، بل يهمس.
يقول لك: "استرح. أنت تعبتَ كفاية."
يزرع وهم الارتياح في عالمٍ بلا معنى،
ويُقنعك بأن التوقف حكمة، وهو في الحقيقة استسلام.
لكنني أدركتُ شيئًا مهمًا:
ليس المهم أن أقضي عليهم،
بل أن أتعلم المضي رغم وجودهم.
أن لا أتركهم يكتبون قصتي بدلاً مني.
الفصل الثالث: مواجهة النفس
جلستُ وحيدًا، ليس لمواجهة الأسئلة هذه المرة،
بل لمواجهة نفسي بعد أن واجهتها.
لم يكن الهدف معرفة الإجابات،
بل فهم مَن يقف خلف الأسئلة:
أنا… أم خوفي… أم كسلي…
أم كل ما يختبئ في داخلي من ضعف وارتباك.
قلتُ بصوت داخلي:
— لماذا أخاف أن أعرف؟
— ماذا سأخسر إن تغيّرت؟
— وهل سأستطيع الوقوف مجددًا بعد كل اهتزاز؟
ولأول مرة، لم يكن الثقل مجرد سؤال يضغط على صدري…
بل شعور صادق بالمسؤولية:
أن أختار، أن أتحمل، أن أعود مهما اهتزت الأرض تحت قدميّ.
الاعتراف بالضعف لم يكن هزيمة، بل نقطة انطلاق.
والقرار بالثبات رغم كل شيء أصبح قوة حقيقية.
ويبتسم الراوي ويهمس:
"ليس المهم أن تعرف كل الإجابات…
بل أن تعرف كيف تواجه نفسك أمام كل سؤال."
الفصل الرابع: إشارات من النور
بين سؤال وسؤال،
في تلك اللحظات الفاصلة حين يصمت كل شيء،
كان يتسلل إليّ شيءٌ لم أستدعِه.
شيءٌ يشبه نسمةً لا تُرى لكن تُحَسّ.
اسمٌ لم أنطق به، لكنه كان حاضرًا في كل نفَس،
يتردد في أعماقي كأنه كان هناك دائمًا،
ينتظر فقط أن يهدأ الضجيج.
اسمه محمد ﷺ.
اسمٌ جسّد الجواب قبل أن يقوله.
عاش المعنى قبل أن يُعلّمه.
وأرى الآن — بعد كل هذا الارتباك — أن المعنى لا يُحصَّل بالعقل وحده،
وإنما يُكتسَب بالحياة، بالممارسة، بالاتباع، بالمحبة.
كل سؤال أصبح وعدًا.
كل ارتباك أصبح فرصة للتقرب.
وكل وحش أصبح دافعًا للنهوض.
— خاتمة الراوي —
الروح التي تسأل، روحٌ حيّة.
الروح التي تواجه أسئلتها بصدق، روحٌ على الطريق.
ارتباك المعنى ليس عدوّك… بل معلّمك.
وكل ليلة طويلة، وكل وحش داخلي،
هو دعوة لتقوية القلب، لا لإضعافه.
وحين بدأ القلب يتلمّس هذا،
أدرك أنه لم يصل بعد.
بل وقف على عتبة شيء أصعب وأعمق:
هشاشة اليقين.
حيث لا يكفي أن تعرف،
بل عليك أن تختار.
فادي عايد حروب — فلسطين
جميع الحقوق محفوظة
● يتبع في الجزء الرابع: هشاشة اليقين
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire