في زنزانةِ الغُربةِ استيقظْتُ دونَ صباح،
لا نافذةٌ إلّا حنينٌ
يتدلّى من سقفِ القلبِ
كدلوٍ يابسٍ فوقَ بئرٍ من الأسى.
الجدرانُ أربعةٌ
لكنَّ وحدتي كانت خامسة،
تمدُّ ظِلَّها في أركانِ الروح
وتحصي عليَّ أنفاسي
كما يُحصي السجّانُ عددَ المساجين.
في زنزانةِ الغربة
لا يُقرَعُ بابُ الوقت،
الساعاتُ بلا عقارب
إنّما تمشي على وجهي تجاعيدَ بطيئة،
كلُّ دقيقةٍ تنحتُ من ملامحي
خارطةَ وطنٍ بعيد.
أُحدِّثُني بالعربيّة
فتنفجرُ في صدري حديقة،
أشتمُّ رائحةَ خبزِ أمّي
من بينِ حروفِ الضاد،
وأرى جدّي يُقَلِّبُ التاريخَ
على سجّادةِ المساءِ
ليدلَّني على طريقِ العودة.
لكنّ اللسانَ من حولي
كالسياجِ الكهربائيّ،
إن نطقتُ بحرفي
احترقتُ بنظراتِ الغربة،
وإن صمتُّ
اختنقَ في حلقي نشيدٌ
كان يُشبهُ الأذانَ وقتَ الفجر
حين يُوقظُ كلَّ الفرائسِ من نومِ الخوف.
في زنزانةِ الغربة
الأصدقاءُ عابرو أحلام،
يتبادلونَ الضحكَ
ثم يمضونَ إلى بيوتٍ تعرفُ أسماءَهم،
وأمّا أنا
فأُطفئُ مصباحَ المساءِ
وأُشعِلُ في صدري أسئلة:
كيف يكونُ للإنسانِ أكثرُ من عنوان
ولا يكونُ لهُ إلّا قلبٌ واحد
يتورّمُ من كثرةِ الحقائب؟
أُداري وجهي عن المرآة،
فمنذ رحلتُ عن وطني
لم أعدْ أرى ملامحي كاملة،
نصفُها هناك حيثُ نهرُ طفولتي
يُبلِّلُ أقدامَ الحجارة،
ونصفُها هنا
يتعلّمُ أسماءَ المدن
كما يتعلّمُ الأسيرُ عددَ القضبان.
غير أنّ في الزنزانةِ سرًّا صغيرًا:
ثقبًا من نورٍ
حفرَهُ الدمعُ في جدارِ القلب،
منهُ أطلُّ على السماءِ كلَّ مساء
فأرى نسمةً من بلادي
تُلوِّحُ لي من بُعد،
تقول: “لا تُسلِّمْ روحَك للمسافات،
الطريقُ إلى نفسك أقرب
من كلِّ المطارات.”
هنالكَ أدركتُ
أنّ الغربةَ ليست أرضًا أُغادِرُها،
بل قيدًا ينسابُ من عينيّ
حين أنسى أنَّ في داخلي وطنًا
يمكنُ أن أفتحه للناس،
فإذا شاركتُهم إنسانيَّتي
انكسرتْ قضبانُ الوحشة.
في زنزانةِ الغربة
تعلّمتُ أن أُقاسِمَ الأرصفةَ أنفاسي،
أن أزرعَ في قلبِ كلِّ غريبٍ سلامًا،
وأبني من لغاتِ العالمِ جسرًا
يحملُ خُطاي إلى وجوهٍ
تُشبهُني في هشاشتي.
وعندما اكتملتْ القصّة
اكتشفتُ أنَّ المفتاح
كان معلقًا في صدري منذ البداية،
سلسلةً من ذكرياتٍ دافئة
وصوتِ أمٍّ تقولُ في الهاتف:
“أينما كنتَ،
إذا صُنْتَ قلبَك عن القسوة
فلستَ غريبًا،
فالإنسانُ وطنُ الإنسان.”
فانفتحتْ زنزانةُ الغربةِ من داخلها،
ومضيتُ في طريقي
أحملُ حقيبةً صغيرة
فيها جوازُ سفرٍ واحد
مكتوبٌ على صفحتِه الأولى:
“هذا إنسانٌ
حرٌّ
يَحْلمُ أن يَرفعَ رايةَ الوَطَن
ليَفْتَحَ نَافِذَة الرُّجُوع ،
كَيْ يُعانِقَ صَدرَ أُمٍّ تَنتظرْ”
-----------------------------------------
الشاعر المغربي بالمهجر
15فبراير 2026
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire