mercredi 11 février 2026

الكاتبة: ورود نبيل

السيكوسوماتية: حين يتحدث الجسد بلغة النفس

يعيش الإنسان في وحدة متكاملة من جسدٍ وعقلٍ وروح، لا يمكن فصل أحدها عن الآخر دون أن يختلّ التوازن الكلي للوجود الإنساني، ومن هنا ينبع مفهوم السيكوسوماتية، أي العلاقة التبادلية بين النفس والجسد، حيث تؤثر المشاعر والأفكار والضغوط النفسية في ظهور أمراض عضوية حقيقية أو في زيادة شدّتها.

 
المفهوم العلمي للسيكوسوماتية

كلمة سيكوسوماتية مشتقة من كلمتين يونانيتين:

Psyche وتعني النفس أو العقل.
Soma وتعني الجسد.

ويُقصد بها تلك الحالات المرضية التي يكون منشؤها نفسيًا ولكنها تظهر بأعراض جسدية واضحة، مثل قرحة المعدة، وارتفاع ضغط الدم، والربو، والقولون العصبي، والصداع النصفي، وأمراض الجلد، وغيرها.

في هذه الحالات لا يكون المريض "يتوهم المرض"، بل إن الأعراض حقيقية وملموسة، غير أن السبب العميق كامن في الاضطراب النفسي أو الانفعالي الذي لم يجد طريقه للتعبير السليم.

الأسباب النفسية والسيكولوجية

الضغوط النفسية المستمرة:�القلق المزمن، ضغط العمل، أو الصراعات الداخلية تُبقي الجسد في حالة توتر دائم، فيفرز هرمونات كالكورتيزول والأدرينالين بنسب مرتفعة تضعف المناعة وتضرّ الأعضاء.
الكبت العاطفي:�حين يُجبر الإنسان على الصمت أو مشاعره، يبدأ الجسد بالتعبير عنها بدلًا منه، وكأن الألم النفسي يبحث عن نافذة للخروج.
الصدمات العاطفية:�الفقد، الهجر، أو الخيانة قد تترك ندوبًا لا تُرى في النفس، لكنها تُترجم إلى وجع في الصدر أو ألم في المعدة أو حتى نوبات ربو.
ضعف القدرة على التكيّف:�بعض الأشخاص يفتقرون إلى مهارات إدارة الانفعالات، فيتخذ الجسد دور "المتنفّس" الوحيد لتلك المشاعر المكبوتة.

أمثلة على الأمراض السيكوسوماتية

القولون العصبي: يرتبط مباشرة بالقلق والتوتر والخوف.
الصداع النصفي (الشقيقة): يظهر في حالات الإجهاد أو الكبت أو الغضب المكبوت.
قرحة المعدة: تتفاقم مع الضغط النفسي والتوتر المستمر.
الربو: قد يزداد عند الخوف أو الحزن الشديد.
الأكزيما والصدفية: تتأثر بالحالة النفسية والتوتر العاطفي.

الجانب الفلسفي للسيكوسوماتية

فلسفيًا، السيكوسوماتية تذكير بأن الجسد ليس آلة مستقلة، بل كائن حيّ يتفاعل مع كل فكرة وعاطفة تمر بالعقل، الجسد هنا يصبح لغة بديلة للنفس، يُترجم الصمت إلى وجع، والهم إلى مرض، والحنين إلى خفقانٍ مضطرب، إنها الصرخة الصامتة للروح حين لا تجد من يُصغي إليها.

العلاج والتعامل مع الأمراض السيكوسوماتية

العلاج لا يقتصر على الأدوية فقط، بل يجب أن يكون تكامليًا بين النفس والجسد، ويشمل:

العلاج النفسي: مثل العلاج السلوكي المعرفي لتفريغ المشاعر المكبوتة وتغيير أنماط التفكير السلبية.
الاسترخاء والتأمل: تمارين التنفس العميق، اليوغا، والتأمل تساعد على تهدئة الجهاز العصبي.
التعبير العاطفي: الكتابة، الفن، أو الحديث مع شخص موثوق تُخفف الضغط الداخلي.
النوم والتغذية السليمة: فالتوازن الجسدي يعزّز الصحة النفسية والعكس صحيح.
الدعم الاجتماعي: وجود أشخاص يُصغون ويُقدّرون يُسهم في شفاء النفس قبل الجسد.

خاتمة

السيكوسوماتية ليست مرضًا غريبًا، بل هي صوت الجسد حين تصمت النفس، فكل وجعٍ يحمل رسالة، وكل مرضٍ قد يكون نداءً لفهمٍ أعمق لذواتنا.
إنّ الشفاء الحقيقي يبدأ حين نصغي لذلك الحوار الخفي بين العقل والقلب والجسد، ونتعامل مع الألم لا كعدو، بل كمعلمٍ جاء ليوقظ وعينا ويعيدنا إلى توازننا الإنساني الكامل.

الكاتبة: ورود نبيل

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire